Breaking
المقالات

اعلام الثورة من صوت العرب إلى «الفيس بوك» من احمد سعيد الى خالد سعيد

لكل عصر ادواته ولكل ثورة اعلامها فكما كان لموقع التواصل الاجتماعى الفيس بوك دورا فى ثورة 25 يناير كان للاذاعة دورا فى ثورة 23 يوليو 1952، فعبر أثيرها تم اذاعة اول بيان للثورة بصوت الرئيس السادات واستكلمت صوت العرب مهمة دعم اهداف الثورة فى الداخل وتصدير الثورة فى الخارج كاحد روافد القوة الناعمة المصرية فى المنطقة عبر خطاب اعلامى ناجع التاثيرفى الراى العام العربى، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما الدور الذى لعبته الاذاعه المصرية فى الثورة وما هو دور صوت العرب فى نجاحها؟ ولماذا حظيت بمثل ذلك التاثير؟

 اعلام الثورة من صوت العرب إلى «الفيس بوك» من احمد سعيد الى خالد سعيد
Click to enlarge

 

بتكليف من المخابرات فى عام 1953 وضع فتحى الديب خطة اعتمدت على عدة عناصر لتحرير العالم العربى كان من ابرزها تأسيس برنامج اذاعى يحمل اسم صوت العرب، وتحول المشروع بعد ذلك الى بث اذاعه مستقلة تحمل نفس الاسم، وتم اختيار الاذاعى أحمد سعيد ليتولى مسئوليتها وليبدأ البث فى السادسة من مساء السبت 4 يوليو 1953 ولمدة 28 دقيقة. وتضاعف وقت بثها الإذاعى من نصف ساعة يومية إلى خمسة عشر ساعة يومية فى عام 1962 ووصلت الى مدى الساعة من البث فى نهاية الستينيات.
وانطلقت صوت العرب فى بلد يقع فى قلب الأمة العربية ويشكل رصيدا حضاريا وانسانيا ممتدا لسبعة الاف عام وهمزة وصل بين أفريقيا وآسيا، وفى سياق دولى يشهد توارى الامبرطورية الفرنسية والبريطانية وصعود دور للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى اطار التغييرات فى شكل النظام الدولى انذاك. تمثلت فى صعود الشيوعية فى مواجهة الرأسمالية فى القرن العشرين. وفى هذا السياق الدولى جاءت ثورة 23 يوليو لتقود العالم الثالث من أجل التحرر من كافة أنواع الهيمنة وبناء الاستقلال الوطنى ورفض التبعية الدولية عبر دعم الثورات الشعبيه بها بكافة السبل اللوجستية والمعنوية.
ولما كان هناك ضعف فى الامكانات المادية والبعد الجغرافى لتقديم يد العون للبدان المجاورة وعدم تكافؤ القدرات العسكرية المصرية بعد الثورة مع غيرها من قدرات القوى الاستعمارية الاخري، وهو الامر الذى دفع إلى الاهتمام بشكل اكبر بتقديم الدعم المعنوى والفكرى والتنظيمى والاعلامى وفى محاولة لاستثمار نجاح ثورة يوليو فى تصدير نموذج ثورى ناجح الى الخارج اعتمادا على تغير الظروف الاقليمية والدولية.
وتم اعتبار اذاعه صوت العرب ذراعا اعلاميا للثورة وغلب عليها الطابع السياسى والأخبارى بصوت أهم المذيعين والمعهم أداء وصوتا فى العالم العربى وتم تقديم برامج اذاعية متميزة لعل اهمها الشعب فى سيناء، من حلو الكلام، ملتقى الأحبة، الجريدة العربية، وحوار على البعد.
ولعبت صوت العرب دورا فاعلا فى الوسط الثقافى والاعلامى العربى وحازت على المصداقية لدى الجمهور العربى بما عمل على سرعه انتشار خطابها الاعلامى الذى ارتكز على استخدام لغه انيقة وبصوت مؤثر، وهو ما ظهر فى التفاف الشباب العربى حول الراديو والمقاهى لسماعها فى وقت لم تكن فية اية وسيلة اعلامية اخرى قد انتشرت كالصحف والتلفزيون.
وهذا الى جانب ضعف نسبة القراءة والكتابه والامية والتعليم فى العالم العربى واعتمدت صوت العرب على خطاب اعلامى استند على ركائز الهوية العربية والاسلامية والتى كان من ضمنها استخدام اللغة العربية واحياء استخدامها بعد محاولات تغيبيها بفعل الاستعمار وهو ما جعل صوت العرب فى نظر العديد من الشباب العربى منبرا للدفاع عن القومية العربية.
ونجحت صوت العرب فى مخاطبة احلام ملايين العرب فى الوحدة والتغيير وبناء نهضة عربية شاملة من المحيط الى الخليج ، وادركت ثورة يوليو ان نجاحها يجب ان يتطلب تعزيز قدرتها على نقل اهداف الثورة ونشر مبادئها فى مواجهة اطراف الثورة المضادة فى الداخل وفى الخارج. والسعى لتحقيق الاهداف الخارجية للثورة والتى منها دعم حركة الوحدة العربية ومناهضة الاستعمار الأجنبى.
وهو ما اعطى الفرصة لان تلعب صوت العرب دورا قوميا يتجاوز حدود الوطن عبر أثير الاذاعه المصرية لتدعم افكار الوحدة العربية ومكافحة الاستعمار فى تونس والمغرب والجزائر والعراق ودول الخليج وافريقيا، وقامت اذاعه صوت العرب بتغطية الاحداث المحلية داخل البلدان العربية وتسليط الضوء عليها لشحن الجماهير ضد المحتل مثلما فعلت مع قضية نفى عاهل المغرب واستخدامها كقضية وطنية لدعم ثورة المغرب ضد المحتل، ونتيجة للدور القوى الذى لعبته حاولا عدد من الدول الاستعمارية التشويش عليها للحد من تاثيرها. وارتبطت ثورة يوليو بتحقيق اهداف عامة لادراك قيادة ثورة يوليو اهمية تحرير المنطقة لحماية الثورة الوليدة وتحقيق نهضة عربية شاملة تعبر عن امال وطموحات الشعب العربى.
وصغى ملايين الشباب الى صوت العرب لتوفير الوجبة السياسية ذات البعد القومى الى جانب سماع الاغانى والمسلسلات الاذاعية المصرية. وخطابات جمال عبدالناصر التى اصبحت تحظى على اهتمام ملايين المستعمين فى العالم العربى.
وعلى الرغم من احفاقها فى معالجة نكسة 1967 الا انها امتلكت عناصر نجاح لعل اهمها التوجه لمخاطبة الجماهير العربية باستخدام شعارات ثورة 23 يوليو لتحقيق الشحن العاطفى والتعبير عن الوعى القومى الجديد والتعبير عن ادراك حجم التحديات امام الثورة والدفاع عن اهدافها والتى ارتبطت بفكرة التحرر فى مواجهة قوى الاستعمار، هذا الى جانب الاداء الفنى والاذاعى الراقى الذى قادة احمد سعيد.
ولم يات نجاح الخطاب الاعلامى لصوت العرب من فراغ بل جاء عبر دراسة متانية للثقافة والقيم العربية والاسلامية والظروف الاجتماعية والاقتصادية والمكانية والتى انعكست فى حجم المعلومات والمعرفة عن العالم العربى والتى استغلت بوضوح فى صياغة مادة الخطاب الاعلامى على مستوى النص والاداء وهو ما اعطاه قدرة فى التاثير والتغلغل فى عمق الشخصية العربية ومكوناتها وهو ما كان له دور فى العمليات النفسية وانماط التفاعل مع الكلمات والعبارات والاغانى والشعارات وذلك عبر حاسة السمع وهى الاكثر تأثيرا فى وجدان الانسان وهو ما يعمل على تحقيق التعبئة النفسية وشحن القوى الثورية.
واصبحت صوت العرب بمثابة جهاز اعلامى للثورة يعمل على تعبئة وتحريك قوة الشحنات المكبوتة لدى الشارع العربى ومنطلقا من معطيات الواقع المليئ بالاستغلال والنفوذ من قبل القوى الاستعمارية.
وهدف الخطاب الاعلامى الى تبنى الثورة المفاجئة عند الجماهير وضرورة تنظيمها وتقديم الدعم لها فى حال قيامها للعمل على تحقيق اهدافها وبرز ذلك فى التغطيات الاذاعية لمجريات الامور فى العالم العربى وطرق صياغة الخبر والرأى والتحليل.
وبذلك اسهمت صوت العرب فى صياغة الوجدان العربى الجديد من خلال التعبير الصادق عن الام الجماهير وطموحاتهم وامالهم فى تحقيق اهداف كبرى كالوحدة العربية بعد قرن ويزيد من التشرذم والتفتت تحت سيطرة قوى استعمارية غربية.
وتعد تجربة صوت العرب من انجح التجارب فى التعبير عن اعلام الثورة وكيف يصنع صناعه التغيير الاجتماعى والثقافى ليس فقط فى نطاقة المحلى امتداده باتساع حجم الناطقين بالعربية. وقد خضعت تجربة صوت العرب لدراسات عديدة من قبل اجهزة الاعلام الدولية وايضا الاجهزة الامنية وخاصة التى يهمها طرق التعامل والتفاعل مع دول المنطقة وشعوبها، وهو ما استفادت منه الفضائيات العربية وبخاصة قناة الجزيرة فى دولة قطر.
ولعب على وتر ذلك معالجة الاعلام وبخاصة الجديد لثورات الربيع العربى حيث تم استدعاء التاريخ عبر اغانى وطنية وحماسية تلهب المشاعر الوطنية وتحركها للتفاعل وذلك كجرء من فهم وسائل الاعلام لطبيعه وقيم الشخصية العربية.
ولعل خطورة اعلام الثورة بشكل عام والخطا الذى وقعت فية فيما بعد صوت العرب هو الاغراق فى الطموحات والشعارات بما عمل فى النهاية الى فجوة بين القيادة الثورية والجماهير وخاصة عندما تحول الاعلام الى نفاق القيادات الثورية وقلب الحقائق على الارض وهو ما برز فى نكسة 1967، ومن ثم فانه يجب الاخذ بعين الاعتبار ان الافراط فى مرحلة ما بعد الثورات فى طرح الامال والاحلام وخاصة فى وسائل الاعلام والتى تساق من اجل كسب الشرعية الثورية فانها قد يعقبها ثورة احباطات متزايدة وفى تلك الحالة تصبح الجماهير ضحية نخبة ثورية مستغلة. وذلك يرجع الى ارتفاع درجات الشحن الثورى وسط الجماهير وطبيعة دور المرحلة الجديدة فى مداعبة احلام الكتير من الناس دون النظر الى مدى امكانية تحقيقها او توافر الموارد اللازمة لها وحتى لا يفكر الناس فيما يمكن ان يقدمونة وادراك حجم التحديات للوصول الى تلك المرحلة دون التعويل على القيادة الثورية التى يتنظر منها العامة دائما الحل السحرى لمشاكلهم.
ويحتاج الاعلام فى مرحلة الثورة الى تبنى خطاب اعلامى ينطلق من الحقائق على ارض الواقع ولا يبالغ فى الطموحات وان يعمل على دعم حركة البناء والفعل داخل المجتمع بدلا من تشجيع ثقافة الجدل والكلام دون افعال ملموسة.
وتبقى مسالة استعادة الريادة الاعلامية من اهم روافد عودة الدور القومى لمصر فى محيطها العربى والاسلامى مستندة الى كواردها ورصيدها الفكرى والتاريخى فى المنطقة التى تشكل اهم عناصر القوة الناعمة لمصر فى الشرق الاوسط التى لا تقل اهمية عن القوة العسكرية.
وإن كانت 23 يوليو ثورة قام بها الجيش والتف معها الشعب فان 25 يناير ثورة قام بها الشعب وحماها الجيش وهو ما يبرز اهمية دور المؤسسة العسكرية فى صناعه مستقبل وتاريخ الامة، وان شباب 23 يوليو لم يختلفوا عن شباب 25 يناير فكلا منهما اختارا وسيلته للتعبير والتغيير ففى حيت كانت الاذاعه هى منصة التغيير ليس فى مصر بل فى العالم العربى فان الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعى كانت هى محرك التغير فى ثورة 25 يناير. واداة تم استخدمها في حشد المظاهرات وتعبئة المتظاهرين وتقديم المعلومات والمعرفة ثم القيام بدور الرقابة على السلطة الحاكمة بعد الثورة ، وياتي ذلك  من اجل حلم التغيير والتعبير عن امال جيل جيد يحاول ان يترك له بصمة على جبين التاريخ.
Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion