المقالات
الجائحة والدرس الذي أتقنه المعلمون
توصل المختصون إلى أن الوسائل المبتكرة للتعليم عن بعد يمكن أن تعوض خسائر التعلم أثناء إغلاق المدارس، جاء تفشي جائحة كوفيد - 19 ليصيب نظم التعليم بصدمة تاريخية، وأسفر في كثير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل عن انتكاسة كبيرة في مستويات التعلم.
نوام أنجريست
الاقتصادية
الأحد,21 أغسطس 2022 - 12:46 م
مشاهدات: 279
حتى قبل تفشي الجائحة، كان المعلمون يتحدثون عن "أزمة تعلم" عالمية. فعلى سبيل المثال، أشار تقييم أجرته مبادرة إقليمية هي Uwezo لقياس مستوى جودة التعليم، إلى أن ثلاثة أرباع الطلاب في الصف الثالث الابتدائي، في كينيا وتنزانيا وأوغندا، لا يستطيعون قراءة جملة مثل "الكلب اسمه پاپي".
وكانت معدلات الالتحاق بالمدارس قد ارتفعت إلى مستويات قياسية. فقد أشار تحليل للبيانات الواردة من 164 بلدا إلى أن متوسط استكمال البالغين للدراسة في 2010 كان 7.6 عام دراسي، أي أكثر من ضعف المتوسط في 1950 وهو 3.2 عام. وخلال العقد الماضي، ارتفعت معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية في إفريقيا جنوب الصحراء من 80 إلى 92.3 في المائة. ومع ذلك، فإن مستويات التعلم في كثير من الدول لم تتحسن كثيرا.
وأدت جائحة كوفيد - 19 إلى زيادة تعطيل التقدم في عملية التعلم. وعندما بلغت الجائحة ذروتها، ترك الدراسة ما يزيد على 1.6 مليار طفل في 180 بلدا. ومن خلال استخدام الاضطرابات السابقة كمقياس معياري، وجد أن تكلفة انقطاع التعليم من المرجح أن تكون باهظة، وأن تكون عواقبها طويلة المدى. فعلى سبيل المثال، أدى زلزال أصاب باكستان في 2005 إلى تعطيل التعليم لمدة 14 أسبوعا، وبعد مضي أربعة أعوام، خلص بحث نشرته مجلة "الموارد البشرية"، إلى أن الأطفال الذين كانوا أشد تضررا من الزلزال كانوا هم الأسوأ أداء حسب تقييمات التعلم، "دراسة Andrabi، Daniels، and Das 2021". وأغلقت المدارس في بعض الدول، مثل سيراليون، أثناء جائحة كوفيد - 19 لمدة 14 أسبوعا، لكن عددا كبيرا من حالات إغلاق المدارس كان أطول بكثير. واستمرت فترة انقطاع الدراسة في أوغندا والفلبين لنحو عامين كاملين.
وبينما بدأ كثير من الحكومات يبذل جهودا طموحة لتوفير إمكانية التعلم عن بعد، كإطلاق الحملات عبر المذياع والتلفاز، ظهرت بعض الأدلة التي تشير إلى أن خسائر التعلم أثناء الجائحة كانت فادحة. واتضح من البحوث في البرازيل والهند وهولندا وجنوب إفريقيا، على سبيل المثال، أن خسائر التعلم فادحة، ويبدو أن الطلاب لم يتعلموا سوى النزر اليسير أثناء إغلاق المدارس. وأجري عدد قليل من التقييمات العشوائية في كينيا وسيراليون توصلت إلى أن الأساليب المختلفة للتدخلات التعليمية من بعد لها آثار محدودة.
ليس كل وسائل التعلم عن بعد يفتقر إلى الفاعلية. فقد أسهمت تجربة بوتسوانا في تحسين نتائج التعلم بفضل الرسائل النصية الأسبوعية التي اقترنت بدروس تقوية عبر المكالمات الهاتفية للآباء وأبنائهم في المدارس الابتدائية، وغطى هذا البرنامج المفاهيم الحسابية الأساسية، وتألف من دروس تقوية أسبوعية مدة كل منها 20 دقيقة على مدار ثمانية أسابيع. وأتاحت النتائج بعض الأدلة التجريبية الأولية أثناء الجائحة على المناهج التي اتبعت لتخفيف خسائر التعلم.
لم يقتصر الأمر على نجاح هذه التجربة في بوتسوانا، بل اتسم هذا الأسلوب بالتدخل كذلك في تكلفته الزهيدة والفاعلة، ما أثمر عما يعادل أكثر من عام من التعليمات الصادرة بجودة عالية عن كل 100 دولار أنفقت. ولم تكن الرسائل النصية وحدها فاعلة، فكان من الضروري تقديم بعض التعليمات بالاتصال المباشر عبر الهاتف.
وأوضحت التجربة في بوتسوانا أن دروس التقوية عبر المكالمات الهاتفية، والموجهة حسب المستويات التعليمية للطلاب، قد حسنت استيعاب تلاميذ المدارس الابتدائية لمفاهيم الرياضيات عندما أغلقت المدارس أبوابها أثناء الجائحة.
وأحد أسباب فاعلية منهج استخدام المكالمات الهاتفية في التعلم عن بعد في بوتسوانا هو توافر القدرة على الحصول على هواتف محمولة بتكلفة منخفضة على نطاق واسع. ففي الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، يمتلك ما يراوح بين 70 و90 في المائة من الأسر هاتفا محمولا واحدا على الأقل، بينما تراوح نسبة الأسر التي تتوافر لديها خدمة الإنترنت ما بين 15 و60 في المائة فقط. وقد لا تنجح فكرة الاعتماد على التكنولوجيا التي تتطلب توافر خدمة الإنترنت في كثير من حالات الدخل المنخفض والمتوسط. وفي استطاعة المناهج التي تتطلب تكنولوجيا محدودة أن تصل إلى أكثر الفئات المهمشة وأن تحقق ذلك على نطاق واسع.
وهناك سبب آخر وراء نجاح منهج بوتسوانا ألا وهو إعداد التعليمات وتوجيهها حسب مستوى كل طالب بدلا من الاعتماد على منهج يقوم على مبدأ "حل واحد يناسب الجميع". وكان يطلب من التلاميذ حل مسألة أسبوعيا في نهاية كل جلسة لتقييم مستويات الأطفال، وذلك مثلا لمعرفة ما إذا كانوا قادرين على إجراء عملية جمع أحادية الرقم "4 + 5". وإذا تمكنوا من حلها، يطرح المعلم مسائل أصعب، كعملية طرح مثلا "7 - 3". وإذا لم يتمكنوا من حل المسألة، يواصل المعلم تدريس عمليات الجمع. ويبنى هذا المنهج على مجموعة كبيرة من الأدبيات التي توضح أن توجيه التعليمات حسب المستوى التعليمي للطفل من أكثر المناهج فاعلية من حيث التكلفة في تحسين نتائج التعليم.
ولفهم السبب وراء فاعلية التعليمات الموجهة، علينا النظر إلى الوضع الراهن. فمعظم النظم التعليمية مقسمة إلى صفوف وتتبع منهجا دراسيا صارما حسب مستوى الصف. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يعرف طلاب الصف الخامس طريقة القسمة على رقمين. لكن في الواقع العملي، معظم الأطفال لا يعرفون كيف يجرون هذه العملية. وتوضح البيانات الواردة من بوتسوانا مثلا أن أقل من 10 في المائة من طلاب الصف الخامس هم الذين أجادوا القسمة على رقمين. ومع هذا، في الأغلب ما يظل المعلمون يدرسون المنهج المقرر للصف، وينتقل التلاميذ إلى الصف التالي سواء كانوا قد تمكنوا من استيعاب المفاهيم الأساسية أم لا. وتشيع التعليمات التي تعطي الأولوية للمنهج الدراسي على الكفاءة، مقترنة بسياسات النقل التلقائي إلى الصفوف الأعلى، في كثير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ونتيجة لذلك، نجد أن مستويات كثير من الأطفال أقل من الصفوف الدراسية التي بلغوها، ويستمر الحال على هذا المنوال. وفي هذا السياق، فإن تقييم مستويات التعلم، وتقسيم الأطفال حسب المستوى وليس حسب الصف الدراسي، وتوجيه التعليمات بناء على ذلك يمكن أن تحدث تحولا
هناك نموذج خاص بهذا المنهج يطلق عليه "التعليم حسب المستوى الصحيح" بدأ يطبق على نطاق واسع في المدارس على مستوى إفريقيا جنوب الصحراء، وفي الهند كذلك، وكانت أول مؤسسة تعليمية تطبقه هي Pratham وخضع لتقييم مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر J-PAL "دراسة Banerjee and others 2017". وقد يبدو إرسال تعليمات معدلة حسب المستوى التعليمي للطفل صعبا، لكن من خلال تحديد بضعة إجراءات هيكلية، مثل الاختبارات التشخيصية المتكررة، ووضع قائمة من الأنشطة لكل مستوى، أمكن تهيئة هذا المنهج ليتناسب مع ما يزيد على 60 مليون طفل.
واستطاعت بوتسوانا أن تطبق طريقة التعليم حسب المستوى الصحيح فيما يزيد على 20 في المائة من المدارس الابتدائية قبل الجائحة بفضل ائتلاف من وزارة التعليم الأساس، ووزارة تنمية الشباب والرياضة والثقافة، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وصندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة "اليونيسف"، ومؤسسة "التعليم في المستوى الصحيح" TaRL، وبرنامج Youth Impact وهي من أكبر المنظمات غير الحكومية في البلاد.
وعندما تفشت الجائحة وأغلقت المدارس، تحول برنامج Youth Impact لكي يقدم تعليمات موجهة عن الحساب الأساس باستخدام منهج الهواتف المحمولة محدودة التكنولوجيا. وكان للمنصة المستخدمة "الهواتف المحمولة" وأسس التعليم التربوي "تركيز التعليمات الموجهة على الحساب الأساس" دور حيوي في نجاح هذا المنهج. وإضافة إلى توجيه التعليمات من خلال عمليات التقييم الأسبوعية، كانت المكالمة الهاتفية بين المعلم والتلميذ تجرى بصفة شخصية وليس في سياق مجموعة ضمن الفصل الدراسي.
وأتاح هذا التفاعل الشخصي زيادة دقة التعليمات الموجهة، ويمكن الاستمرار في استخدام هذه الطريقة المبتكرة بعد الجائحة. ويتفق هذا المنهج أيضا مع قدر كبير من الأدبيات التي تتحدث عن فاعلية دروس التقوية اللافتة للانتباه. ومع هذا، فثقافة دروس التقوية في الأغلب ما تركز على أصحاب الدخل المرتفع، كما أنها يمكن أن تكون باهظة التكلفة. وظهرت نماذج جديدة وأقل تكلفة أثناء كوفيد - 19 في إيطاليا، حيث تطوع طلاب في الجامعات بتقديم دروس تقوية مجانية عبر شبكة الإنترنت لتلاميذ مدارس المرحلة المتوسطة من الفئات المحرومة.
وفي إسبانيا حيث عرض معلمو الرياضيات تقديم دروس تقوية عبر شبكة الإنترنت بعد ساعات الدراسة. وتقدم دراسة بوتسوانا نموذجا على دروس التقوية غير المكلفة على نطاق واسع لذوي الدخل المنخفض والمتوسط. لا يسعنا مجرد الرجوع إلى الحياة العادية وإلا سنعود إلى حيث بدأنا، لنواجه أزمة في التعلم. ومنذ صدور هذه الدراسة عن بوتسوانا، خضعت مناهج مشابهة للاختبار وثبتت فاعليتها في بنجلادش ونيبال.