Breaking
المقالات

ما السلع العامة العالمية؟

على المؤسسات العالمية أن تنسق فيما بينها للمحافظة على السلع التي تعود بالنفع علينا جميعا، فجائحة كوفيد - 19، وأزمات اللاجئين، وتغير المناخ، كشفت هذه المشكلات العالمية عن الحاجة إلى السلع العامة التي تتشابه في صفة العالمية. فما هي السلع العامة، وكيف يمكن توريدها عالميا؟

السلع العامة هي تلك التي تتاح للجميع "فهي لا تستبعد أحدا" ويمكن لأي أحد الاستفادة منها مرارا وتكرارا دون أن يقلل ذلك من المنافع التي تعود على غيره، "أي أنها غير تنافسية". ونطاق السلع العامة يمكن أن يكون محليا أو وطنيا أو عالميا. فالألعاب النارية العامة سلعة عامة محلية، لأن بإمكان أي شخص في مرمى البصر أن يستمتع بالعرض. والدفاع الوطني سلعة عامة وطنية، فهو يعود بالنفع على جميع مواطني الدولة. والسلع العامة العالمية هي تلك التي تؤثر منافعها في جميع مواطني العالم. وهي تشمل كثيرا من نواحي حياتنا، بدءا من بيئتنا الطبيعية وتاريخنا وثقافاتنا، والتقدم التكنولوجي، حتى الأجهزة التي نستخدمها في حياتنا اليومية كنظام القياس المتري.
فلا يمكن منع أحد من استخدام نظام القياس المتري، وكلما استخدمه أحد لا ينتقص ذلك من منفعته التي يستفيد منها الآخرون. وطبيعة منافع السلع العامة هي التي تميزها عن السلع الخاصة التي نراها في المتاجر أو محال بيع السلع التي يمكننا سداد رسوم لدخولها، لكن هذا الأمر يعني كذلك أنها غير موجودة في أي متجر عادي ولا يمكن الحصول عليها مقابل رسم بسيط. وإنشاء السلع العامة أصعب بكثير من توريد السلع الخاصة، وتوفير سلع عامة عالمية يفرض تحديا فريدا من نوعه.
والسؤال الملح هنا، ما السبب في نقص المعروض من السلع العامة؟ السبب ببساطة هو عدم وجود حوافز، فلكي يقوم فرد بعرض سلعة عامة بينما يسعى إلى تحقيق ربح، يجب أن تكون المنفعة التي يتوقعها تتجاوز التي يتحملها. وبالنسبة إلى السلع العامة، عادة ما يكون العكس صحيحا لعدة أسباب،
* لا يمكن فرض رسوم على الأفراد مقابل استخدامها، فنتيجة لطبيعة السلع العامة، لا يستطيع موردوها أن يمنعوا الأفراد من استخدامها. ومتى عرضت سلعة عامة يستطيع الجميع استخدامها سواء أسهموا أم لم يسهموا في توفيرها. وتعرف هذه المسألة بأنها "مشكلة الراكب بالمجان".
* وفي حال معظم السلع العامة، فإن المنفعة التي تعود على كل فرد في منفعة صغيرة، وهذا هو الحال في أغلب الأحيان عندما يكون استخدام أحد الأفراد للسلعة يؤثر في الآخرين، وهذه "التداعيات" أو "المؤثرات الخارجية" يمكن أن تجعل المنفعة التي تعود على أي فرد صغيرة للغاية "في حالة التداعيات الموجبة"، أو كبيرة للغاية "في حالة التداعيات السالبة".

إذا تحدثنا عن الحال بالنسبة إلى سلع مثل الصحة العالمية، فباختيار الحصول على اللقاح يظل الشخص بصحة جيدة، "منفعة فردية قد تكون صغيرة بالنسبة إلى غير المعرضين للمخاطر"، ويقي الآخرين من الوقوع في المرض، "تداعيات إيجابية كبيرة".
وفي حالة كثير من السلع العامة، تتحقق منافعها بعد فترة طويلة مستقبلا بينما تنفق تكاليفها اليوم، والناس في الأغلب ما يغالون في القيمة في الوقت الحاضر مقارنة بالمستقبل. وقصر النظر يمكن أن يشوه التكاليف والمنافع التي تعود من سلع مثل التعليم، "فأنت تدفع اليوم تكلفة التعليم في المدارس، بينما منفعتها تتحقق عندما يكبر الطلاب"، والبيئة الطبيعية "فنحن ندفع اليوم تكلفة تخفيف آثار تغير المناخ، بينما معظم منافعها ستعود على أجيال المستقبل". ولهذه الأسباب، في الأغلب ما يكون هناك نقص في المعروض من السلع العامة إذا ترك أمرها للقطاع الخاص.
حتى يومنا هذا، ظلت مشكلة توفير السلع العامة تكمن في التنسيق الذي يضمن مساهمة كل طرف في توفير سلعة عامة والمراجحة بين تكاليفها ومنافعها دون تشويه. وتقوم الهيئات الرسمية، ولا سيما الحكومات، بدور المنسق الرئيس لتوفير السلع العامة المحلية والوطنية.
وتحقق الحكومات أكبر درجات النجاح في توفير السلع العامة عندما تكون لديها مؤسسات قوية. فمن خلال إنفاذ القواعد التنظيمية والضرائب، تتمكن الحكومات من تعبئة الموارد لتوفير السلع العامة والقضاء على مشكلة "الراكب المجاني". والحكومة الشمولية لجميع الفئات تقدر قيمة رفاهية كل مواطنيها ـ المقيمين ضمن حدودها وعبر الأجيال المختلفة. وتستطيع هذه الحكومات أن تحقق المنفعة المجتمعية الكاملة من السلع العامة، "حاصل المنافع وكذلك التداعيات الفردية"، وأن توازن بين احتياجات مواطنيها في الحاضر والمستقبل.
وما زال السؤال قائما ومطروحا، فهل السلع العامة العالمية مختلفة؟
من الناحية النظرية، السلع العامة العالمية لا تختلف عن السلع العامة المحلية أو الوطنية. فلا يمكنها أن تستبعد أحدا كما أنها غير تنافسية، ومن خصائص هذه السلع أنها تنطوي على مشكلات "الراكب بالمجان"، وبانتشار تداعياتها، كما أن آفاقها الزمنية قصيرة. لماذا إذن نجد سلعا عامة محلية ووطنية أكثر من السلع العامة العالمية؟ لماذا ترصد للدفاع الوطني أموال أكثر مما يخصص لمكافحة تغير المناخ على مستوى العالم؟
إن إخفاقات الحكومة التي لا توفر ما يكفي من السلع العامة تتفاقم عندما يتعلق الأمر بالسلع العامة العالمية، وفي الأغلب ما تفتقر المؤسسات العالمية ـ أينما وجدت ـ إلى السلطة القانونية التي تخول لها إنفاذ القواعد التنظيمية والضرائب، أو إلى القدرات المؤسسية للتنسيق بين احتياجات جميع المواطنين في العالم وعبر الأجيال. والتحدي أمام عملية التنسيق أكبر كذلك

المؤسسات العالمية تتعامل مع الحكومات الوطنية، على عكس المواطنين الأفراد. وهناك كثير من الحكومات الوطنية التي تكافح لمجرد توفير السلع العامة حتى داخل دولها.
وكانت المصادقة على "اتفاقية باريس" تمثل نجاحا وبرهانا على قصور التنسيق على المستوى الدولي، في آن واحد، فمن خلال تحديد مخصصات حسب الاحتياجات والمسؤوليات الخاصة للدول، تأخذ الاتفاقية في اعتبارها الرفاهية في كل بلد. وكانت ثمرة التزام الاقتصادات المتقدمة بتقديم 100 مليار دولار لتمويل الأنشطة المناخية كل عام هي تعبئة موارد الاقتصادات في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، ومع هذا، كان انسحاب الولايات المتحدة عام 2020 والقصور المزمن في توفير التمويل اللازم للأنشطة المناخية قد سلط الضوء على محدودية قدرة الاتفاقية على إنفاذ المساهمات والقضاء على مشكلة "الراكب بالمجان".
وبشأن العرض والطلب فمن غير المحتمل، رغم ذلك، أن يستمر إخفاق العالم في توفير السلع العامة العالمية. فكثير من المؤسسات التي توفر السلع العامة اليوم لم توجد بدافع ذاتي، وإنما تشكلت لتلبية الطلب، فكان تطور التعليم الحكومي في الولايات المتحدة استجابة لطلب المواطن في عالم يتقدم تكنولوجيا. وكان صندوق النقد الدولي قد أسس بعد "الكساد الكبير" والحرب العالمية الثانية بعد أن أدركت الدول الحاجة إلى تعزيز الاستقرار المالي العالمي.
وهناك من الأسباب ما يدعو إلى الاعتقاد أن الطلب على السلع العامة العالمية متنام. وسواء كان الأمر يتعلق بالتجارة أو التدفقات الرأسمالية أو الهجرة، فالعالم اليوم أكثر ترابطا بكثير مما كان عليه عام 1945، عندما أنشئ عديد من المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة الصحة العالمية. وتزداد أهمية السلع العامة العالمية في حياتنا اليومية مع كل أزمة جديدة فكانت نتيجة جائحة كوفيد - 19 هي زيادة الطلب على الصحة العامة العالمية ونتيجة أزمات اللاجئين هي زيادة الحرص على السلام العالمي، ونتيجة تغير المناخ في زيادة الرغبة في الحفاظ على البيئة العالمية، وتقتضي هذه الأزمات وضع إطار عالمي يقر بالالتزام المشترك، ويحدد بوضوح مسؤولية كل بلد، ويحقق إنفاذ هذه الالتزامات.
وكي تستطيع المؤسسات العالمية أن تعزز عملية التنسيق، يتعين أن تكون لديها هياكل شاملة للحوكمة تضمن شرعية القرارات وتمثل كل المواطنين في الحاضر والمستقبل على مستوى العالم قاطبة. وإذا أمكن الاستفادة من الزخم المتزايد اليوم وتعبئته لبناء هذا الإطار العالمي، ربما أصبح توفير السلع العامة العالمية حقيقة واقعة.

Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion