المقالات
بيع سيارات بعملات مشفرة
أعاد إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، إلى الواجهة جدلا لم يغب في حقيقة الأمر، حول استهلاك الطاقة المرتبط بعملة بيتكوين. وقال في تغريدة له في حزيران (يونيو): إن تسلا ستقبل بيع سياراتها مقابل عملات مشفرة "في حال التأكد من استخدام قدر معقول من الطاقة النظيفة 50 في المائة في عمليات التنقيب عن بيتكوين، واستمرار هذا الاتجاه الموجب مستقبلا".
أناليسا بالا
الاقتصادية
Tuesday, September 06, 2022 - 12:17 AM
Views: 212
وتستهلك عمليات التنقيب عن بيتكوين ـ أي استحداث عملات بيتكوين جديدة وتحديث دفاتر الحسابات الرقمية المستخدمة في رصد المعاملات ـ كميات ضخمة من طاقة الحاسبات الآلية والكهرباء. وللفوز ببيتكوين، يتعين على المنقبين حل ألغاز متزايدة الصعوبة.
وكلما توصلوا إلى الحل بسرعة وكفاءة أكبر، ازداد عدد عملات بيتكوين التي يحصلون عليها، وتزداد أيضا صعوبة التنقيب عن عملات جديدة مستقبلا. ويقول فهد خان الاقتصادي ببنك التنمية الآسيوي، "إن السبب وراء اعتبار بيتكوين أحد مستودعات القيمة يكمن في صعوبة التنقيب عنها".
ما يجعل أيضا لعمليات التنقيب عن بيتكوين دورا كبيرا في تغير المناخ. فوفقا لحسابات مؤشر استهلاك الكهرباء لشبكة بيتكوين الصادر عن جامعة كامبريدج، يستهلك المنقبون نحو 73 تيرا واط / ساعة من الكهرباء سنويا ـ أي ضعف استخدام الدنمارك. وينتج عن الاستخدام المحموم للحاسبات الآلية من جانب مئات الآلاف من منقبي عملة بيتكوين ما يزيد على 64 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سنويا، وهو ما يعادل البصمة الكربونية للجبل الأسود، بحسب تقديرات أليكس دي فري، الاقتصادي في البنك المركزي الهولندي. وقد تنشأ عن معاملة بيتكوين الواحدة انبعاثات كربونية تعادل تلك الناتجة عن أكثر من 1.8 مليون عملية شراء باستخدام بطاقة فيزا.
ويؤكد دي فري، وهو أيضا مؤسس منصة Digiconomist الإلكترونية، التي تركز على العواقب غير المقصودة للاتجاهات الرقمية، أنه من الممكن الحد بدرجة كبيرة من البصمة الكربونية الناجمة عن العملات المشفرة. ويشير إلى إمكانية إجراء تعديل جذري في كيفية إنشاء الكتل لوقف استنزاف الطاقة الناجم عن العملات المشفرة. ورغم أن هذا التغيير قد لا يحظى بقبول عالمي، إلا أن الفكرة تظل واعدة. ومن المقرر أن يتبنى مستخدمو عملة إيثريوم المنافسة لبيتكوين هذا الاتجاه ـ وهي ثاني أكبر عملة مشفرة من حيث قيمتها السوقية.
فيما يرى مجلس التنقيب عن بيتكوين ـ وهو عبارة عن شبكة من المنقبين المستقلين ـ أن ثلثي الطاقة تقريبا التي يستخدمها المنقبون مستمدة من مصادر مستدامة، وذلك وفق مسح شارك فيه 32 في المائة فقط من أعضاء الشبكة.
ويقول دي فري: "إن البيانات المدرجة في هذا المسح غير واضحة على الإطلاق، فالدول ليست لديها القدرة على توفير طاقة متجددة لعمليات التنقيب، كما أن المنقبين لا يوجد لديهم أي حافز للاكتراث بالطاقة النظيفة"، ونجدهم يتدافعون إلى أي مكان يوفر تيارا كهربائيا ثابتا بأقل الأسعار.
ففي تشرين الأول (أكتوبر)، تركز أكثر من 60 في المائة من منقبي بيتكوين في الصين، حيث كان بإمكانهم استخدام الكهرباء المائية في الصيف، لكنهم اعتمدوا في معظم الأحيان على استخدام محطات الكهرباء الوطنية التي تعمل بالفحم أو على تشغيل المولدات الخاصة بهم بوقود الديزل أو زيت الوقود الثقيل. لكن في ظل حصار الحكومات لهم، نقل عديد من المنقبين محل نشاطهم الآن إلى دول، مثل: إيران وكازاخستان، حيث يتم توليد الكهرباء بالكامل تقريبا من الوقود العادي..
يعرف نظام حل الألغاز المعقدة للتحقق من سلامة معاملات بيتكوين باسم "إثبات العمل" proof of work وهناك نهج بديل يعرف باسم "إثبات الرهن" proof of stake، وهو عبارة عن مجموعة من "المدققين"، وليس المنقبين، الذي يقومون "برهن" عملاتهم المشفرة للحصول في المقابل على الحق في تنفيذ معاملات جديدة، أو التحقق من سلامتها وإضافتها إلى سلسلة الكتل.
ويحصل المدققون على مكافأة في صورة عملات مشفرة بقيمة تتناسب مع الرهن الذي قدموه. وفي حالة التصديق على صحة كتلة ما ثبت أنها تتضمن معاملات أو بيانات تاريخية غير صحيحة، يفقد المدقق الرهن المقدم. ويتم اختيار المدققين بصورة عشوائية، لذلك لا يوجد بينهم أي منافسات ولا يحتاجون بالتالي إلى استخدام القدر الضخم نفسه من الطاقة.
ويضيف دي فري، "لا يحتاج الأمر سوى جهاز متصل بالإنترنت. لذلك يقول البعض بإمكانية الحد من استهلاك الطاقة بنحو 99.95 في المائة".
وتستخدم آلية إثبات الرهن في عدد من سلاسل الكتل "البلوك تشين" المعروفة، مثل Cardano وEOS وPolkadot وTezos، لكن الحصة السوقية لهذه السلاسل محدودة نسبيا مقارنة ببيتكوين وإيثريوم. لذلك فإن تحول إيثريوم إلى استخدام آلية إثبات الرهن يعد خطوة مهمة قد تشجع الآخرين - حال نجاحها - على حذو الاتجاه نفسه، ما سيحد من البصمة الكربونية للعملات المشفرة.
لكن التحول لن يكون سهلا. فتصميم سلسلة كتل قابلة للزيادة يعتمد على آلية إثبات الرهن، ويحافظ على أمن العملة لا مركزيتها ـ وهما من أهم المبادئ التي تقوم عليها فكرة العملات المشفرة ـ يكاد يكون أمرا مستحيلا. وهذا ما يطلق عليه فيتاليك بوتيرين، المؤسس المشارك لإيثريوم، اسم "المعضلة الثلاثية أمام التوسع في سلاسل الكتل".
ويشير خان من بنك التنمية الآسيوي، إلى أنه "لا توجد عملة واحدة مثالية تتحقق فيها الخصائص الثلاث. فمن الممكن توافر اثنتين من هذه الخصائص على أقصى تقدير، لكن وجود عملة مشفرة خالية من المشكلات أمر غير وارد".
هل ستشهد عملة بيتكوين التحول نفسه؟ يقول خان، "لا أعتقد أنه سيتم التخلي عن آلية إثبات العمل".
ويقول جون كليف، الخبير السابق في شؤون القطاع المالي في صندوق النقد الدولي، "يختلف الهدف من استخدام بيتكوين اختلافا كبيرا عن إيثريوم. فبيتكوين تطمح في التحول إلى وحدة حساب أو نقود من نوع ما، لكن ذلك ليس هو الغرض من إيثريوم". فإيثريوم تهدف في نهاية المطاف إلى أن تحل محل الطرف الثالث على شبكة الإنترنت، مثل "فيسبوك" و"جوجل"، من خلال تطبيقات وعقود لا مركزية تستخدم عملة الإيثر.
وتشكل عملة بيتكوين الجزء الأكبر من مشكلة استهلاك الطاقة المرتبطة بالعملات المشفرة، ولا يرجح تحولها إلى آلية إثبات الرهن، لكن عرض بيتكوين محدود، فالحد الأقصى لعدد عملات بيتكوين الذي يمكن تداوله هو 21 مليون عملة فقط، ما يعني أن عمليات التنقيب ستتوقف في وقت ما. وقد يصبح المستقبل حينها أكثر خضرة.