عاجل
المقالات

عقبات امام نجاح وادي سيليكون اوربي

عندما تذكر كلمة "وادي السيليكون"، فإن التفكير ينصب على وادي السيليكون الأمريكي، تلك المنطقة التي تقع في شمال ولاية كاليفورنيا وتعد المركز العالمي للتقنية رفيعة المستوى والابتكارات التكنولوجية الحديثة، وحيث تقع المقار الرئيسة لكبريات شركات التكنولوجيا العالمية مثل ألفا بيت الشركة الأم لعملاق البحث جوجل وشركة ميتا - فيسبوك سابقا - وشركة أبل وغيرها من كبريات الشركات الدولية.

عقبات امام نجاح وادي سيليكون اوربي
اضغط للتكبير


وعندما تذكر كلمة "وادي السيليكون"، فإن الأذهان لا تذهب إلى أوروبا إطلاقا، من الممكن أن يفكر البعض في الصين ومنافستها للتكنولوجيا الأمريكية، أما أوروبا، فإن التفكير العام ينحصر في أنها متقدمة ولا شك في مجال التكنولوجيا، أما مصطلح أو تعبير وادي السيليكون فهو يبدو حكرا على الولايات المتحدة وإلى حد ما الصين.
لكن الواقع يبدو من وجهة نظر البعض بخلاف ذلك، فالمدن الأوروبية ليست متخلفة عن نيويورك أو مدن التكنولوجيا الصينية، وتسهم بقوة في قطاع التكنولوجيا العالمية، فإضافة إلى لندن المركز التكنولوجي المهيمن في أوروبا، هناك أمستردام الهولندية التي تستفيد من قوة عمالة ماهرة تتحدث الإنجليزية وتحرز نتائج جيدة في عديد من مجالات التكنولوجيا.
وأيضا ستوكهولم السويدية موطن لنحو 120 شركة تكنولوجيا في مجال الصحة، كوبنهاجن الدنماركية، باريس الفرنسية فضلا عن برلين التي نجحت في تطوير نظام بيئي للشركات الناشئة يدور حول جذب المواهب والمبدعين، ودبلن الأيرلندية التي صنفت في قائمة مدن النخبة التكنولوجية، واحتلت قبل أعوام المرتبة الـ12 في قائمة أفضل 22 مدينة في مجال التكنولوجيا حول العالم، وبالطبع برشلونة في إسبانيا وبها أكثر من 1200 شركة ناشئة وتعد واحدة من أبرز مدن التكنولوجيا في أوروبا.
إذن تبدو القارة الأوروبية مليئة بمدن "وادي السيليكون"، فلماذا إذن لا تترك بصماتها في الأذهان، ويبدو المصطلح حكرا على الولايات المتحدة؟
من جانبه، قال لـ"الاقتصادية" الدكتور جوليان هاريس، رئيس قسم الأبحاث التكنولوجية في جامعة كامبريدج، "أولا وادي السيليكون الأمريكي كان سباقا في مجال مفهوم تركز شركات التكنولوجيا في مكان واحد، وبدأ رواد الأعمال في إنشاء شركات هناك منذ 60 عاما، مقابل عقدين فقط في أوروبا، ثانيا المصطلح نحت من قبل الإعلام الأمريكي، ونجح الأمريكيون في الترويج له على المستوى العالمي، ثالثا وذلك الأهم أن قطاع التكنولوجي الأوروبي لديه رواد أعمال مبدعون وعمالة موهوبة وماهرة، إلا أنه لا يرقى إلى وادي السيليكون الأمريكي عندما يتعلق الأمر برأس المال الاستثماري، فشركات التكنولوجيا الأمريكية أكثر رسوخا وقدرة مالية لنقل الشركات الناشئة إلى آفاق أعلى".
وأضاف "كما أن طبيعة المنظومة السياسية والاقتصادية الأوروبية التي تتضمن قدرا من التعاون والمنافسة، تحول في أن يكون لديها كتلة مركزة في مجال التكنولوجيا مثل وادي السيليكون الأمريكي".
ويتساءل الدكتور جوليان هاريس قائلا، "هل تحتاج أوروبا إلى وادي سيليكون"، ثم يجيب "ربما لا نكون في حاجة إليه، إذ يكفي أن يكون لدينا أكثر من مركز متفوق في مجال الابتكارات التكنولوجية".
وتشير البيانات إلى أن قيمة الشركات الناشئة الأمريكية أعلى بخمس مرات من قيمة الشركات الناشئة في القارة الأوروبية، جزء من ذلك يعود لارتفاع أسعار العقارات في وادي السيليكون الأمريكي، مقارنة بمدن القارة الأوروبية، إضافة إلى التكاليف والفرق الكبير بين ريادة الأعمال التكنولوجية في الولايات المتحدة وأوروبا، فرواد الأعمال في القارة الأوروبية يركزون أكثر على المحصلة النهائية، وإنشاء أعمال قابلة للاستمرار، أما نظراؤهم من رواد الأعمال الأمريكيون فيركزون أكثر على جذب أكبر قدر ممكن من رأس المال الاستثماري، والسيطرة على سوق معينة، ثم جعل الأعمال التجارية قادرة على الاستمرار.
مع هذا ترى الباحثة في مجال الابتكار التكنولوجي، أن غياب وادي سيليكون أوروبي مشابه لنظيره الأمريكي ترك بصمات سلبية على صناعة التكنولوجيا الأوروبية، وأرجعت ذلك إلى غياب أي تنسيق أوروبي لإنشاء مركز تكنولوجي موحد ذي طبيعة عالمية، وأن المنافسة الأوروبية – الأوروبية تضعف فكرة وادي السيليكون الأوروبي.
وقالت لـ"الاقتصادية" إن "غياب منطقة مركزية لشركات التكنولوجية الأوروبية على غرار وادي السيليكون الأمريكي، مرجعه أجواء المنافسة المحمومة بين الدول الأوروبية لتوجد كل واحدة منها وادي السيليكون الخاص بها، ونظرا لمحدودية الموارد المالية الاستثمارية لشركات التكنولوجية الأوروبية، مقارنة بالأمريكية، فإن ذلك أدى إلى إهدار الموارد نسبيا، نظرا لعدم تكامل صناعة التكنولوجيا في أوروبا، وأدى إلى إيجاد مدن متقدمة تكنولوجيا، دون أن ترقى لأن تكون مركز ثقل عبر تجميع شركات التكنولوجيا".
وبالفعل فالمنافسة بين لندن وبرلين في مجال التكنولوجيا واضحة للعيان خاصة مع خروج لندن من الاتحاد الأوربي، لندن التي تعد من وجهة نظر كثيرين مركز التكنولوجيا الأوروبية بلا منازع، يبدو أن البساط يسحب منها لمصلحة برلين وإلى حد ما ستوكهولم، فبينما تتلقى شركات التكنولوجيا الألمانية ما يراوح بين 400 و500 استثمار رأسمال سنويا، فإن بريطانيا تتفوق عليهم، وتحصل على 1000-1500 استثمار سنوي، كان هذا هو الوضع حتى 2015، حيث بدأت تحصل برلين على مزيد من رأس المال التكنولوجي أكثر من أي مدينة أوروبية أخرى.
ومع القيود المتزايدة للهجرة في المملكة المتحدة، فإن برلين تتجاوز لندن بصفتها نقطة مهمة لجذب المواهب الدولية، وربما يدرك المسؤولون في المملكة المتحدة هذا التطور، ما يجعلهم أكثر تركيزا على أن تتبوأ عاصمتهم قيادة المركز العالمي للتمويل الرقمي، مستغلين في ذلك النظام المصرفي المتطور في المملكة المتحدة، أكثر من أن تكون لندن وادي السيليكون الأوروبي.
تلك المنافسة الأوروبية - الأوروبية يواكبها الآن دعوات إلى مزيد من تكثيف التعاون التكنولوجي، فأوروبا تدرك إلى حد كبير أنها خسرت معركة شركات التكنولوجيا الاستهلاكية، وأنها ستكون مضيعة للوقت إن سعت لأن تنشئ شركة منافسة لجوجل مثلا أو فيسبوك، وأن هذا لا يدخل في إطار الواقعية، وربما كانت الدعوة إلى تعزيز التعاون التكنولوجي الأوروبي الذي يعده البعض المدخل لإنشاء وادي سيليكون أوروبي موحد، واضحا في دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن الكتلة الأوروبية إذا تعاونت فإن بمقدروها إنشاء عشر شركات بقيمة 100 مليار يورو بحلول 2030.
وبدوره، قال لـ"الاقتصادية" المهندس تيم كوك، نائب رئيس شركة اندافا لتطوير البرمجيات، إنه "لجعل أوروبا قوة تقنية على الساحة العالمية، فإن الشركات الناشئة تحتاج إلى التركيز على المنتجات والخدمات، التي يمكن أن تدعم الشركات القائمة، بهدف جعل أوروبا الاقتصاد الأكثر استدامة على هذا الكوكب، نقاط القوة لدينا تتركز في مجال التكنولوجيا الخضراء، ونحن بحاجة إلى الاستثمار بشكل استراتيجي في هذا القطاع، فحصة رأس المال الاستثماري على المستوى العالمي والمستثمر في الشركات الناشئة الأوروبية يبلغ 8 في المائة فقط، لكن في الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا المناخ تبلغ هذه النسبة 16 في المائة، وفي الطاقة 48 في المائة".
هذا تحديدا ما يجعل أوروبا من وجهة نظر كثير من الخبراء في حاجة ماسة إلى تنسيق جهودها في مجال التكنولوجيا، وبدلا من أن تنفق كثيرا من الطاقة على تنظيم القطاع، فإنها في حاجة إلى دعم الشركات التكنولوجية الوليدة، وربما يكون أفضل وسيلة لذلك وضعها تحت سقف واحد في وادي سيليكون أوروبي.

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك