المقالات
الشركات الأوروبية ومعالجة الفجوة التكنولوجية
يبدو أن أوروبا تتغير على نحو حاسم جدا من جراء الأزمات. فقد أنشئ الاتحاد الأوروبي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأدت الأزمة المالية العالمية في 2008 وأزمة منطقة اليورو التي أعقبتها إلى مزيد من التعاون المالي بين الدول الأوروبية. وأفضت جائحة كوفيد - 19 إلى تعزيز التنسيق المالي من خلال صندوق التعافي المسمى "الجيل المقبل للاتحاد الأوروبي". والآن، تقلب الحرب في أوكرانيا استراتيجية الطاقة في أوروبا، وتثير نقاشا جديدا بشأن الدفاع.
جان ميشكي / جوريكا نوفاك
الاقتصادية
Wednesday, September 14, 2022 - 11:46 AM
Views: 196
وفي هذا السياق، يجب ألا ينسى صانعو السياسة أزمة أخرى تتحرك ببطء، وهي التأخر الكبير في البراعة التكنولوجية على مستوى الشركات الأوروبية، مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات الرائدة الأخرى. إذ نظرا إلى انتشار التكنولوجيا في جميع القطاعات، وإعادة تشكيل الديناميكيات التنافسية، يضطلع الابتكار والقيادة التقنية بدور محوري في الاستقلال الذاتي الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي، شأنهما في ذلك شأن إمدادات الطاقة أو الدفاع، خاصة في ظل تزايد الاضطرابات الجيوسياسية.
وتفسر التكنولوجيا المتأخرة إلى حد كبير سبب ضعف أداء الشركات الأوروبية الكبرى مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة. إذ أفاد بحث جديد أجراه معهد ماكينزي العالمي، بين 2014 و2019، بأن عائدات الشركات الأوروبية الكبرى زادت بوتيرة أبطأ 40 في المائة مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة. فقد تراجعت استثماراتها 8 في المائة، "تقاس حسب النفقات الرأسمالية بالنسبة إلى رصيد رأس المال المستثمر"، وقلصت من ميزانية البحث والتطوير بنحو 40 في المائة. وشكلت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأدوية 80 في المائة من فجوة الاستثمار، و75 في المائة من فرق البحث والتطوير، و60 في المائة من التفاوت في نمو الإيرادات.
ولطالما كانت أوروبا على دراية بأوجه قصورها في مجال التكنولوجيا، وأطلقت أخيرا مجموعة من المبادرات التي تهدف إلى وضع المنطقة على مسار يرفع من مستوى أدائها. وتشمل هذه البرامج توفير 95.5 مليار يورو "100 مليار دولار" لبرنامج Horizon Europe "هورايزن يوروب" التابع للاتحاد الأوروبي، وإطلاق مبادرة التخصص الذكي، ووضع إطار عمل المشاريع المهمة ذات المصلحة الأوروبية المشتركة. كذلك، تستثمر المملكة المتحدة 800 مليون جنيه استرليني "مليار دولار" على مدار أربعة أعوام في تجديد وكالة الأبحاث المتقدمة والاختراع.
إن هذه التحركات مرحب بها، لكنها قد لا تكون كافية. فاليوم، تفتقر الشركات الأوروبية إلى حجم نظيراتها وسرعتها في الولايات المتحدة والصين. إذ درس تحليلنا الجديد عشر فئات من "التكنولوجيا المستعرضه" ـ مثل الذكاء الاصطناعي، والسحابة، والتكنولوجيا الحيوية ـ التي تنتشر أفقيا عبر القطاعات. وخلص تحليلنا إلى أن أوروبا تسبق الولايات المتحدة و/أو الصين في فئتين فقط.
لنأخذ على سبيل المثال، التكنولوجيا النظيفة. تمتلك أوروبا أهدافا أكثر طموحا للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بغيرها من البقاع، وتتفوق على الولايات المتحدة فيما يتعلق ببراءات اختراع التكنولوجيا النظيفة بـ38 في المائة "أكثر من ضعف العدد في الصين"، وفيما يتعلق بالتكنولوجيا النظيفة المثبتة لكل فرد باستخدام التقنيات الناضجة. لكن الصين تتصدر جميع مجالات إنتاج التكنولوجيا النظيفة تقريبا، وفي الأغلب بحصة سوقية تزيد على 50 في المائة. وتقود الولايات المتحدة التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الاندماج النووي، والتقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، وشبكات ذكية وبطاريات الجيل المقبل، ونظام تخزين الطاقة طويل الأمد. ويحد هذا التأخر التكنولوجي من قدرة الشركات الأوروبية على المنافسة والنمو، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية في الوضع الاقتصادي في أوروبا
في تقديرنا، يمكن أن أن تكون القيمة المضافة للشركات الأوروبية التي تراوح ما بين اثنين وأربعة تريليونات يورو سنويا على المحك بحلول 2040 - وهي قيمة يمكن أن تولد الاستثمار، والتوظيف، والأجور، والسلع، والخدمات العامة.
ولوضع هذا الرقم في المنظور الصحيح، فإنه يعادل من 30 إلى 70 في المائة من نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لأوروبا بين 2019 و2040، أو نقطة مئوية واحدة من النمو سنويا. كما أنه يمثل ستة أضعاف المبلغ الإجمالي الذي تحتاج إليه أوروبا لتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050. ويمثل نحو 90 في المائة من إجمالي الإنفاق الاجتماعي الأوروبي الحالي - وهو ما يكفي لتمويل دخل شهري شامل قدره 500 يورو لكل مواطن أوروبي.
إن التحدي ملح. إذ تفيد تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، بأن 70 في المائة من القيمة الاقتصادية الجديدة التي سيتم إنشاؤها خلال العقد المقبل ستمكن رقميا. وفضلا عن ذلك، ترتبط التقنيات الرائدة اليوم بآثار الربط الشبكي، وديناميكيات الرابح يأخذ كل شيء، ما يجعل اللحاق بالقادة مهمة صعبة على المتقاعسين.
وما لم تنهض أوروبا بمكانتها فيما يتعلق بالتكنولوجيا المستعرضة، يمكن أن تتعثر شركاتها حتى في القطاعات التي عادة ما تتميز فيها. فرغم أن أوروبا هي رائدة عالميا في صناعة السيارات، على سبيل المثال، فإن تحليلنا يظهر أن الشركات المصنعة الأمريكية تمثل ما يقرب من 70 في المائة من جميع الكيلو مترات التي تقطعها المركبات ذاتية القيادة من المستوى الرابع. كذلك، تمثل الشركات الأوروبية 95 في المائة من العلامات التجارية الفاخرة على مستوى العالم، لكن لها حضورا متواضعا في الأجهزة التي يمكن ارتداؤها، بينما تمتلك "أبل"، و"هواوي"، و"سامسونج"، و"شياومي"، حصة سوقية مجمعة تبلغ 65 في المائة تقريبا.
وينبغي أن تكون الشركات الأوروبية قادرة على التوسع والعمل بوتيرة أسرع في عالم يعاني اختلالا في التكنولوجيا، ويعطي أهمية للحجم وخفة الحركة. وسيتطلب ذلك معالجة مجموعة من المعوقات التي تؤثر سلبا في أداء الشركات الأوروبية، ويبرز ذلك في أربع تجليات، التجزئة وقلة الحجم، وندرة النظم الإيكولوجية للتكنولوجيا الراسخة، وتمويل أقل تطورا لرؤوس أموال المجازفة، وبيئة تنظيمية يمكن أن تدعم بقدر أكبر الاضطراب والابتكار.
ويمكن لواضعي السياسات العامة والمنظمين أن يفعلوا كثيرا للمساعدة على تكافؤ الفرص أمام الشركات الأوروبية. وفي حالة التكنولوجيا المستعرضة، حيث يكون النطاق مهما، يمكن لأوروبا، على سبيل المثال، زيادة مواردها وتجميعها، وتطوير كتاب قواعد الشركات الإقليمية للشركات عالية النمو، وتسهيل الدمج عبر الحدود وتشجيعه. وقد تضخم الدول الأوروبية أيضا رأس المال الخاص لتوسيع النطاق، وتفكر في تجميع مزيد من المشتريات العامة ودعم البحث والتطوير، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن بعض السيادة الوطنية. ولتمكين وتيرة أكبر في سرعة العمل، يمكن لأوروبا النظر في إعادة التوازن بعيدا عن مبدئها التحوطي، وتطوير إجراءات سريعة فيما يتعلق بالموافقة التنظيمية واتخاذ القرار.
إن أوروبا تفتخر - عن حق - بسجلها في الاستدامة والشمول، فقد عاد عليها النموذجان الاجتماعي والاقتصادي الحاليان للمنطقة بنفع كبير حتى الآن. لكن نظرا إلى انتشار الاضطراب التكنولوجي، يجب أن يعيد صانعو السياسة تقييم المقايضات السابقة. وينبغي لأوروبا الآن أن تسخر الزخم التعاوني الذي أطلقته الحرب في أوكرانيا، واحتضان التقنيات المتطورة التي لها دور حاسم في بناء قدرتها التنافسية وازدهارها في المستقبل