عاجل
الأخبار

الاقتصاد الرقمي وتدفق البيانات

ظهر أخيرا أحد الحلول التجريبية، ما يسمى بالمحكمة العليا على "فيسبوك" - وهي هيئة إشرافية مستقلة. أعتقد أنها فكرة جيدة. فجزء من احترام أي شركة لمسؤوليتها يتمثل في إنشاء آليات خاصة بها للمساءلة والشفافية. لكن هذا ليس كافيا بالضرورة

 الاقتصاد الرقمي وتدفق البيانات
اضغط للتكبير

 سواء في سياق الشفافية أو من وجهة نظر حماية المصلحة العامة. فلا شك أنها ستضع شروط وأحكام المستخدم الخاصة بها، وبعد ذلك ستسلك أيضا نهجها الخاص في التعامل مع المجتمع الأوسع. وأعتقد أنه بحكم العادة، سيحدث تداخل بدرجة كبيرة بين الاثنين. لكن من المهم أن نتحرى الشفافية حتى نتمكن من الاستمرار في مناقشة القضايا التي تقع في المنطقة الرمادية، مثل الخطاب الذي ربما يكون ضارا، لكنه لا يخالف القانون. هذه ليست مناقشة يمكن الانتهاء منها مرة واحدة وإلى الأبد. لهذا السبب، نحتاج إلى وضع إجراءات تهدف إلى الحفاظ على الشفافية، ويجب أن تستند هذه الإجراءات إلى إطار قانوني يطبق القواعد ذاتها على الجميع.
لذلك، لا يمكننا الاعتماد على الأعمال الفردية فقط. ورغم أنني أعتقد أن شركة فيسبوك حسنت أداءها حيث تعكف الآن على إزالة قدر كبير من المحتوى غير القانوني بشكل واضح إلا أنني أعتقد أيضا أن هذه العمليات لا بد أن ترتكز على تشريعات ينشئها ويناقشها ويعتمدها ممثلونا المنتخبون.
تنظم شركات التكنولوجيا الكبرى بوساطة عديد من الولايات القضائية لكن الاتحاد الأوروبي كان أكثر نشاطا في تطوير أطر قانونية جديدة، وقد أثبتت هذه الأطر أنها تشمل نطاقا عالميا واسعا، وهو ما أسميه "تأثير بروكسل".
خير مثال على ذلك هو اللائحة العامة لحماية البيانات في أوروبا. حيث امتثلت الشركات للائحة عبر عملياتها حول العالم، لأن هذا أسهل وأقل تكلفة من الإبقاء على ممارسات مختلفة في دول مختلفة. وبالمثل، ظهرت معايير بشأن خطاب الكراهية من خلال عديد من قواعد السلوك التي تفاوضت عليها هذه الشركات مع الاتحاد الأوروبي. واستخدم عديد من الحكومات الأخرى قانون الاتحاد الأوروبي نموذجا لقواعدها التنظيمية الخاصة. لذا، أشعر بالفضول لمعرفة ما إذا كنتم قد تضعون المستهلكين العالميين في الحسبان عند صياغة الضوابط التنظيمية.
أعتقد أنك محقة بشأن تأثير بروكسل. في الواقع، كانت أوروبا في الطليعة عندما أصدرت اللائحة العامة لحماية البيانات. وبدأ عديد من الآخرين الآن في اللحاق بها من خلال وضع تشريعات مشابهة، وإن لم تكن متطابقة تماما. أعتقد أن الهند هي أحدث مثال، إلى جانب عدد من الولايات الأمريكية.
عندما نصوغ تشريعات لأوروبا، ما نحاول فعله هو تحويل قيمنا إلى شيء حقيقي ملموس في الحياة اليومية. لكن قيمنا ليست أوروبية فقط. أعتقد أننا نتشارك شيئا جوهريا مع معظم الديمقراطيات عندما يتعلق الأمر باحترام النزاهة وكرامة كل فرد. وهذه ليست مجرد فكرة أوروبية. فهي أيضا فكرة أمريكية ويابانية وجنوب إفريقية. أعتقد أن هذا هو السبب في أن تشريعاتنا تلهم الآخرين، وآمل أن تستمر في ذلك، لأننا بحاجة إلى أن تتحد ديمقراطيات العالم.


لن يفضي هذا إلى إصدار قانون خدمات رقمية أو لائحة حماية بيانات على المستوى العالمي. لكن ربما نتوصل إلى توافق قانوني وعقلية مشتركة. فعلى مدى العامين الأخيرين، بدأ مزيد من الأفراد، والولايات القضائية، في التفكير على المنوال نفسه حول هذه القضايا. والحق: إن هذا تغيير جذري. تكمن المسألة الآن في معرفة كيف نترجم هذه العقلية المشتركة إلى أطر تشريعية.
بالطبع، آمل أن تصبح أوروبا مصدر إلهام في هذا الصدد أيضا. لكنني أيضا أشعر بالتواضع أمام حقيقة مفادها أن الآخرين يسلكون المسار ذاته ليس بالضرورة لأن طريقتنا هي أفضل طريقة لإنجاز الأشياء، لكن لأنها تعكس دافعا أساسيا للديمقراطية. مرة أخرى، نحن بحاجة إلى أن تتحد الديمقراطيات. فثمة تنافس منهجي ناشئ بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية. وفي اعتقادي، ينبغي لنا في الاتحاد الأوروبي أن نظهر أن الديمقراطيات لديها كثير مما تقدمه للناس في حياتهم اليومية.
بالطبع، في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، حدث انقسام عميق عبر الأطلسي حول عديد من قضايا السياسة، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالاقتصاد الرقمي. ودار كثير من النقاش حول عدم التوافق فيما يتعلق بالتنظيم، أو تدفق البيانات، أو الضرائب الرقمية، أو مكافحة الاحتكار. ولا يزال بعض هذه الاختلافات قائمة إلى حد بعيد.

قد يجادل كثير من المراقبين بأن الولايات المتحدة تقترب الآن من الموقف الأوروبي. حيث بدأت لجنة التجارة الفيدرالية ووزارة العدل الأمريكية في متابعة إجراءات مكافحة الاحتكار ضد بعض الشركات الرقمية الكبرى. وفي تغريدة، رحب جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، بلوائح الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، وأكد استعداد أمريكا للعمل مع دول أخرى ذات عقلية مشابهة في تنظيم هذه التقنيات. وأخيرا، نشهد أيضا تقدما محتملا فيما يتعلق بضرائب الخدمات الرقمية، حيث تستكشف الولايات المتحدة سبل التعاون العالمي بشأن ضرائب الشركات بصورة أكثر عموما.
حسنا، أنا أميل إلى التفاؤل، سواء كان ذلك بطبيعتي أو باختياري، لأنني أرى أن المتشائمين لا ينجزون أي شيء أبدا. ولماذا يفعلون، إذا افترضوا أن الأمور ستصبح أسوأ غدا؟ لكن موقفي المتفائل ليس من أجل التفاؤل في حد ذاته. فهو يعكس الحقائق. حيث تجري تغييرات كبيرة داخل الولايات المتحدة ومن حيث الاعتبارات الجيوسياسية. وتشجعني حقيقة أنه في خضم المناقشات الدائرة حول الضرائب ومكافحة الاحتكار والخصوصية، أصبحنا بالفعل في مكان مختلف تماما عن الذي كنا فيه قبل بضعة أعوام. هذا لا يعني أننا سنتفق على كل شيء. لكننا نمهد الطريق لشيء جوهري حقا: التعاون بين الديمقراطيات.
تأمل معي هذا المثال الصغير، لكنه يوضح سبب أهمية تشكيل جبهة موحدة من الديمقراطيات في ظل تنافس الأنظمة الجاري في الوقت الحالي. في العام الماضي، قدمت الصين اقتراحا إلى الاتحاد الدولي للاتصالات كان من شأنه أن يقلب بنية الإنترنت رأسا على عقب، ما يجعلها أكثر مركزية وقابلية للتحكم فيها من قبل الحكومات. لحسن الحظ، اتفق عدد من الديمقراطيات على رفض هذا الاقتراح، وعلينا أن نحتفي بذلك. لكن ستظل هناك حاجة إلى اليقظة المستمرة لدرء هذه التهديدات التي تواجه النظام، ولإظهار أن الديمقراطيات بحاجة إلى مساعدة ديمقراطيات أخرى من أجل تلبية احتياجات مواطنيها. لنضع تفاؤلك تحت الاختبار. استنادا إلى فكرة الاتحاد الأوروبي بوصفه قوة تنظيمية عظمى عالمية. فقد ذكرت سابقا أننا نبدأ الفصل الثاني من الرقمنة. حيث تمحورت العشرة أعوام الماضية حول نمو الأعمال التجارية بين الشركات والمستهلكين. أما المرحلة التالية فهي متعلقة بالرقمنة الصناعية لقطاعات الصحة، والنقل، والطاقة، والزراعة، والخدمات العامة. والحق أن السلع والخدمات العامة تمثل مواطن قوة بالنسبة إلى أوروبا. كما أن أنظمة الطاقة المتقدمة للغاية لدينا قيد التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ونحن متقدمون بالقدر ذاته في الزراعة. ثمة طلب قوي للغاية على الحلول التكنولوجية التي ستمكن هذه القطاعات من تطوير وتحويل ذاتها بشكل كبير في الأعوام المقبلة. وتحظى أوروبا بثقافة الصناعة وريادة الأعمال اللازمة لقيادة عصر الرقمنة هذا. لا شك أن أنواعا جديدة من الشركات الرقمية ستظهر من أجل التعامل مع جميع البيانات التي يجري إنشاؤها الآن. لكن كثير منها سيختص بالتعاملات بين الشركات، لذلك لن نسمع عنها بالضرورة بقدر ما نسمع عن الخدمات التي قد نستخدمها على الهاتف الذكي كل يوم. مع ذلك، تشكل الأعمال التجارية جزءا أساسيا من كيفية عمل مجتمعنا، وستكون رقمنة الصناعات عملية مثيرة خصوصا في السياق الأوروبي. حيث يوجد عدد كبير من الأشياء التي لا يمكننا القيام بها في غياب التكنولوجيات الرقمية. على سبيل المثال، تعد مكافحة تغير المناخ أمرا يصعب تحقيقه دون أدوات رقمية. وأعتقد أن أحدث التقديرات تشير إلى أنه يمكننا السيطرة على 20 في المائة من الانبعاثات على مدى العشرة أعوام المقبلة باستخدام وسائل رقمية.
أخشى دائما هذا النوع من الأسئلة. لقد حدث كثير خلال العشرة أعوام الماضية، والشيء الوحيد الذي أراه بمنزلة خيط يجب أن نسترشد به هو النضال كي نجعل مجتمعاتنا أكثر شمولية. كانت الأزمة المالية عام 2008 مروعة في كثير من النواحي، لكن أحد أسوأ فصول تلك الأزمة كان تسريح العاملين وشعورهم بأنهم طردوا ليس فقط من وظيفة، لكن من مجتمعهم. فلم يجد كثيرون منهم مكانا يلوذون به، ونحن نتعامل مع تبعات هذا الأمر منذ ذلك الحين. عدت لتوي من قمة بورتو الاجتماعية التي استضافتها البرتغال، حيث رأيت رؤساء الدول والحكومات الأوروبيين، وأصحاب الأعمال، وقادة النقابات، ومجموعات المجتمع المدني يجتمعون معا للاعتراف بالحاجة إلى تأسيس مجتمع شامل للجميع ولا يضر بالنمو. ومن رؤيتي لهذا المشهد، أعتقد أن عديدا من الأشياء ستختلف تماما في غضون عشرة أعوام، وأننا سنحقق تقدما في مساعدة جميع الأفراد على الشعور بمزيد من الانتماء إلى المجتمع. ما يدفعني إلى النهوض من فراشي كل صباح هو مزاولة عملي المتمثل في بذل قصارى جهدي لحمل كل واحد منا على إدراك حقيقة مفادها أننا قادرون على الاختيار، وأن اختياراتنا كفيلة بإحداث الفارق. وأرى أن هذا الإدراك هو السبيل الحقيقي إلى التمكين. يجب أن يكون كل شخص قادرا على الشعور بأن ما يفعله يحدث فارقا، وينطبق هذا خصوصا في السوق. فعندما تكون السوق مفتوحة وتسمح بالمنافسة، يصبح لدى المستهلكين والمواطنين خيارات مختلفة، وبالتالي يمكنهم إحداث الفارق.
وبالمثل، في نظام حكومي، من شأن المساهمات الفردية أن تحدث الفارق. بالنسبة إلي، هذا التمكين هو الدافع الذي يحرك أفعالي، ويحدد ما أرغب في تحقيقه. وفي ظل الرقمنة، ربما نتمكن أخيرا من الوفاء ببعض الوعود التي نسمعها منذ عقود من الزمن فيما يتعلق بالصحة والتعليم وقضايا أخرى. هذه هي أمنيتي المتواضعة.

طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك