المقالات
إفريقيا والاتجاه نحو الرقمنة
عندما يحين وقت إعادة البناء بعد كوفيد - 19، يجب أن يتجه صناع السياسات إلى الاستثمار في التكنولوجيا الابتكارية لتخطي العقبات أمام التنمية الاحتوائية، وقد نعمت إفريقيا بنمو اقتصادي قوي في معظم فترات القرن الـ21، ويعزى ذلك أساسا إلى الطلب العالمي القوي على السلع الأولية،
كريستينا دوارتي / أنطونيو جوتيريس
الاقتصادية
Saturday, March 25, 2023 - 10:58 PM
Views: 272
لكن أقصوصة "نهضة إفريقيا" التي صاحبت هذا النمو هي في معظمها قصة ارتفاع إجمالي الناتج المحلي الذي ليس له سوى بعد واحد لا أكثر. وفي واقع الأمر، فالنمو الاقتصادي في إفريقيا لم يولد كثيرا من فرص العمل الجيدة ـ ما أخر مرة أخرى، جني منافع العائد الديموغرافي من ارتفاع أعداد السكان في سن العمل. ونتيجة لتراجع أعداد السكان المسنين والشباب الذين يحتاجون إلى دعم مقارنة بالسكان في سن العمل، من المفترض أن تسهم هذه المنافع في تحرير الموارد التي يمكن تكريسها لتحقيق التنمية الاحتوائية.
وبدلا من ذلك، لا يزال صنع السياسات الإفريقية يقوم على قناعة استمرت نحو نصف قرن بأن تحقيق "التنمية" يقتصر على التعامل مع الفقر ـ أو بعبارة أخرى، إن مهمة التنمية تعني الحد من الفقر والتحول من جدول أعمال التصنيع في مطلع حقبة ما بعد الاستقلال إلى جدول أعمال الحد من الفقر هو أحد الأسباب الرئيسة وراء الاعتلال الاقتصادي الذي تعانيه القارة. وكما ذكرت "قمة الابتكار الإفريقية" أخيرا، لقد تغير جدول أعمال التنمية من التحول الاجتماعي ـ الاقتصادي إلى القاسم المشترك الأقل شيوعا، وهو التعامل مع الفقر.
فمن أجل توليد النمو الاقتصادي الذي يؤدي إلى التنمية المستدامة، يجب أن تحول إفريقيا تركيزها نحو تكوين الثروة والاحتفاظ بها، وتحسين إدارتها لمواردها، وتعزيز الاحتواء لجميع فئات المجتمع، والارتقاء في سلاسل القيمة العالمية وتنويع اقتصاداتها، والوصول إلى المزيج الأمثل من الطاقة ووضع رأس المال البشري في بؤرة اهتمام صنع القرار. ولكي يتحقق ذلك، يجب على السياسات الإفريقية أن تعزز الاستثمار في البحوث والتطوير والابتكار، وأن تعيد تشغيل الهياكل الاقتصادية للقارة وأن تلحق بركب بقية العالم على صعيد التطور التكنولوجي.
فالابتكار، وتكنولوجيا المعلومات الرقمية المصاحبة له، أصبح عنصرا ضروريا في أي جهود لمواجهة تحديات مثل الأمن الغذائي والتعليم والصحة والطاقة والقدرة التنافسية. فالعالم يسير مدفوعا بالتكنولوجيا، وما لم يجن صناع السياسات الأفارقة الثمار المحتملة من البحوث والتطوير والابتكار، ستظل الفجوة العالمية آخذة في الاتساع والمشكلة هي أنه يجري الحديث عن الابتكار والتحاور بشأنه، لكن دون وضع استراتيجية له.
بشأن فرصة التحول إلى الرقمنة هنا تكمن المفارقة، فرغم كل ما سببته جائحة كوفيد - 19 من دمار اقتصادي واجتماعي، فهي أيضا تتيح فرصة أمام الدول الإفريقية، لكي تبتكر وتتحول إلى الرقمنة. وسيتعين على الدول الإفريقية إعادة بناء اقتصاداتها، وينبغي لها ألا تقتصر على إصلاحها، وإنما ينبغي أن تعيد تشكيلها، بينما الرقمنة تقود المسيرة.
حتى الوقت الراهن تبدو المجتمعات المدنية أكثر استعدادا من صناع السياسات لتبني التكنولوجيا الرقمية. فقد نمت صناعة التكنولوجيا الرقمية في إفريقيا دون مساعدة من حكوماتها من خلال الحاضنات والشركات المبتدئة والمراكز التكنولوجية ومراكز البيانات. وتنتشر أنشطة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عبر القارة، بينما الشباب الأفارقة يعولون على التكنولوجيا الرقمية في مواجهة التحديات التي يفرضها كوفيد - 19. فعلى سبيل المثال، ابتكر أحد مراكز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كينيا وهو "قاب لاب" تطبيقا يسمى "مسافاري"، لتتبع الأشخاص ويمكنه أن يتعقب انتشار الإصابة بالعدوى. وابتكر المغرب تطبيقا مشابها هو "وقايتنا". وفي رواندا، تبرهن الحكومة على ما يمكن للسياسات المستنيرة أن تحققه، فقد استثمر هذا البلد بكثافة في البنية التحتية الرقمية ـ فنسبة تغطية خدمة الإنترنت عريض النطاق تصل إلى 90 في المائة، ويمتلك 75 في المائة من السكان هواتف خلوية. وفي بدايات الجائحة استغلت رواندا تلك البراعة التكنولوجية الفائقة في تطوير خرائط رقمية آنية التتبع لانتشار فيروس كوفيد - 19، ووسعت نطاق التطبيب من بعد للحد من زيارة العيادات، وطورت روبوتات المحادثة لكي تطلع السكان على آخر تطورات المرض.
وهذه محاولات واعدة، لكن الرقمنة ليست واسعة الانتشار في إفريقيا. وتمثل رواندا حالة استثنائية. فلا تكاد نسبة سكان إفريقيا الذين يستخدمون الإنترنت تتجاوز 28 في المائة، ما يشكل فجوة رقمية تحول دون استفادة القارة بشكل كامل من قدرة التكنولوجيا الرقمية على تخفيف بعض من أسوأ آثار الجائحة.
هذا البطء في انتشار تكنولوجيا الإنترنت يضع مصاعب أمام القارة في تخطي العقبات الماثلة أمام التنمية المستدامة، ومن أجل توليد النمو الذي يحقق التحول، لا يمكن ترك الرقمنة في أيدي المجتمع المدني والقطاع الخاص بصفة أساسية. فالفجوة الاجتماعية الاقتصادية في إفريقيا تغذي الفجوة الرقمية، والعكس صحيح. ويتعين على صناع السياسات تكثيف العمل للتحول إلى الرقمنة من أجل إطلاق العنان للتحول الهيكلي.
عند تقييم الفجوة الرقمية من الأهمية بمكان أن نتذكر أن المسألة تتجاوز مجرد الحصول على خدمة الإنترنت. فالعامل المهم كذلك هو مدى المنفعة التي تعود على مستخدم الإنترنت. وينبغي ألا يقتصر الهدف من الرقمنة على زيادة استهلاكها، وإنما ينبغي لها أن تعزز صلابة المجتمعات المدنية، ما يتطلب إطارا تنظيميا واضحا وسكانا متعلمين
في إفريقيا، ليس الاتصال بشبكة الإنترنت هو وحده ما يعوزها، فهناك أساسيات أخرى غير متوافرة، منها: الكهرباء، ومعرفة القراءة والكتابة، والشمول المالي، والقواعد التنظيمية، والنتيجة هي عدم قدرة السكان على استخدام الحلول التكنولوجية المتاحة. وعلاوة على ذلك، لا يزال جزء كبير من سكان إفريقيا يجابه مشكلات تهدد حياته مثل الصراعات، وانعدام الأمن الغذائي، ما يجعل الصراع اليومي للبقاء على قيد الحياة هو شغلهم الشاغل.
فملايين الأفارقة ليسوا على الجانب الخطأ من الفجوة الرقمية وحسب، بل هم على الجانب الخطأ من كثير من الفجوات، إذ يفتقرون إلى أساسيات الحياة الصحية والعامة، كالكهرباء والمياه النقية والتعليم والرعاية الصحية. وأفضت جائحة كوفيد - 19 إلى تفاقم مصاعبهم، لأن حالات الإغلاق العام والتباعد الاجتماعي قصرت وسيلة تقديم كثير من الخدمات العامة على شبكة الإنترنت. والحقيقة المروعة هي أن مئات الملايين من أولئك السكان تركوا خلف الركب، وما لم يدرك صناع السياسات الأفارقة أن الحصول على الوسائل التكنولوجية الرقمية أداة حيوية للغاية في تحقيق الاحتواء الاجتماعي ـ الاقتصادي، سيقتصر التقدم على أولئك القادرين على الحصول على خدمات الكهرباء والاتصالات، ما يزيد من عزل الأغلبية العظمى التي لا تصل إليها هذه الخدمات. وستزداد الفجوة اتساعا.
لقد أفضت الاضطرابات العميقة التي أثارتها الجائحة، إلى إتاحة فرص لإعادة تشكيل المجتمع الهش. فهذه هي الأوقات التي تضع رؤية صناع السياسات وقيادتهم على المحك. وكما أشارت دراسة McKinsey & Company (2020) "تحمل أزمة كوفيد - 19 في طياتها بذور عملية كبيرة لإعادة تصور الهيكل الاقتصادي لإفريقيا، ونظم تقديم الخدمات والعقد الاجتماعي فيها. فالأزمة الحالية تعجل وتيرة اتجاهات، مثل: الرقمنة، وتوحيد السوق، والتعاون الإقليمي، وتتيح فرصا جديدة مهمة، مثل: تشجيع الصناعة المحلية، وإضفاء الصبغة الرسمية على منشآت الأعمال الصغيرة، وتطوير البنية التحتية للمناطق الحضرية".
لقد حانت اللحظة المناسبة. فعند إعادة بناء إفريقيا بعد الاضطرابات التي سببتها جائحة كوفيد - 19 يجب ألا تعود القارة إلى واقع ما قبل الجائحة، ويجب أن تبني واقعا أفضل يدرك الحاجة إلى الابتكار، ولا سيما التكنولوجيا الرقمية. وهذا مطلب رئيس للتغلب على التحديات الجسيمة أمام التنمية، كالفقر والصحة والإنتاجية والقدرة التنافسية وتنويع النشاط الاقتصادي والأمن الغذائي وتغير المناخ والحوكمة.
شهدت إفريقيا تغيرا على مدى الأعوام الخمسة الأخيرة، ما يشير إلى احتمال تقبل القارة للبناء على أسس أفضل وليس مجرد إعادة البناء. وحددت دراسة Liu (2019) ثلاث مبادرات إفريقية رئيسة كعلامة على هذه القابلية للتغيير.
* منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتهدف إلى تأسيس سوق موحدة تحقق معا إجمالي ناتج محلي يزيد على 3.4 تريليون دولار، وتضم أكثر من مليار نسمة.
* مركز الثورة الصناعية الرابعة الجديد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي وتستضيفه حكومة جنوب إفريقيا، لإجراء الحوار والتعاون بشأن تحديات التكنولوجيا المتقدمة والفرص التي تتيحها.
تهدف منصة نمو إفريقيا التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى مساعدة الشركات على النمو والتنافس على المستوى الدولي، والاستفادة من نشاط ريادة الأعمال في إفريقيا ـ فحققت في مرحلتها الأولى مستويات أعلى بـ13 في المائة مقارنة بالمتوسط العالمي. ومن شأن هذه المبادرات الجارية أن تصبح بمنزلة نقطة تحول، وأن تبث الحياة في بعد التحول إلى الرقمنة من أعلى إلى أسفل.
فحتى الوقت الراهن، ظل معظم التغيير لا ينتقل إلا من أسفل إلى أعلى ونشأ في أنحاء القارة ما يزيد على 600 مركز للتكنولوجيا ـ وهي أماكن مصممة لمساعدة الشركات المبتدئة وأصبحت ثلاثة منها من المعترف بها دوليا وهي المراكز في لاجوس في نيجيريا، ونيروبي في كينيا، وكيب تاون في جنوب إفريقيا. وتستضيف هذه المراكز التكنولوجية مئات الشركات المبتدئة، والحاضنات ومجمعات التكنولوجيا، ومراكز الابتكار بقيادة القطاع الخاص والشباب الذين يدركون، رغم المحنة، مدى ارتباط العمل الحر بالابتكار.
التغيير من أعلى إلى أسفل ليس واعدا بالقدر نفسه. فقد أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريرا في 2018، جاء فيه أن هناك 22 من 25 بلدا خضعت للتحليل ليس لديها سياسات عامة تركز على النظام البيئي للابتكار.
والاستثمار في الرقمنة على نطاق واسع من منظور جغرافي وقطاعي، مسألة حيوية ليس لمعالجة المشكلات الاجتماعية الاقتصادية فحسب، وإنما كذلك لمواجهة تحديات الأمن والسلام. وهو يؤدي أيضا إلى زيادة النمو الاقتصادي. وتوصلت دراسة أجراها الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن زيادة 10 في المائة في وصول الخدمة عريضة النطاق للأجهزة المحمولة، ستحقق ارتفاعا قدره 2.5 في المائة في إجمالي الناتج المحلي للفرد في إفريقيا.
ولكن لا يمكن التوصل إلى الحلول الرقمية من فراغ. ويجب على صناع السياسات جعل تطبيق التكنولوجيا الرقمية أحد عناصر النظام البيئي للابتكار، ودون أي مضيعة للوقت. فالأطر التنظيمية المحددة بدقة، والاستثمار في البنية التحتية والمهارات الرقمية والشمول المالي، يجب أن تكون من الأولويات.
وتوضح معظم البحوث أن التكنولوجيا الرقمية ضرورية لمواجهة التحديات الاجتماعية ـ الاقتصادية. وتصفها في أغلب الأحيان بأنها العنصر الوحيد الذي تحتاج إليه إفريقيا لكي تتخطى العقبات وتصل إلى التنمية الاقتصادية المستدامة والاحتوائية. ومن المنظور الاقتصادي، فإن تحسن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يضفي صبغة ديمقراطية على المعلومات ذات الأهمية للإنتاج ووكلاء السوق، ما يساعد على زيادة كفاءة سلاسل القيمة وتوفير منتجات وتقديم خدمات في المتناول وسيعود ذلك بالفائدة على أضعف فئات السكان.
ومع هذا، فاعتماد التكنولوجيا الرقمية بشكل كبير يعني كذلك أن صناع السياسات يجب أن يدركوا التأثير القانوني والأخلاقي المعقد للتكنولوجيا على المجتمع ومعالجته بما فيه مسائل الخصوصية والبيانات والتهرب الضريبي. وينطبق ذلك بصفة خاصة على إفريقيا حيث المؤسسات الضعيفة قد لا يكون لديها من القوة ما يكفي للحفاظ على حقوق سكانها ومصالحهم في مواجهة الأسواق.