المقالات
الحاجة الملحة إلى العملات الرقمية للبنك المركزي
في أحدث التوقعات الاقتصادية العالمية، يقدم صندوق النقد الدولي حجة منطقية مفادها أنه بمجرد تخلص الأنظمة من التضخم، ستعود أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة "وفي عديد من الأسواق الناشئة" إلى مستوياتها المنخفضة للغاية التي كانت عليها قبل الجائحة. وهذا يتماشى مع الاتجاه التنازلي في أسعار الفائدة الحقيقية الطبيعية منذ أوائل الثمانينيات، الذي كان في حد ذاته نتيجة للشيخوخة السكانية والنمو الإجمالي المخيب للآمال في إنتاجية عوامل الإنتاج.
ويليم إتش. بويتر
الاقتصادية
Friday, April 21, 2023 - 06:02 AM
Views: 300
ويوضح سعر الفائدة الحقيقي الطبيعي التوازن بين المدخرات المخطط لها وتكوين رأس المال في ظل الظروف النظرية للعمالة الكاملة والتضخم المستهدف. صحيح أنه لا شيء مؤكد في العالم الحقيقي. وكلما زاد عجز الميزانية الحكومية، ارتفعت الضغوط التصاعدية على المعدل الطبيعي. وفي حين تميل المجتمعات التي تعاني الشيخوخة السكانية إلى الادخار أكثر وتوفير مزيد، فإن المجتمعات القديمة حقا تدخر أقل. كما يتعين على المرء أيضا النظر في تأثيرات "التفكك" الكبير المحتمل للاقتصاد العالمي وصعود التكتلات المتمركزة حول الولايات المتحدة التي تتمحور حول الصين. قد يؤدي ذلك إلى الحد من تدفقات رأس المال إلى الاقتصادات المتقدمة، ما سيعزز أسعارها الطبيعية.
ومع ذلك، عموما، من المعقول أن نفترض أنه في غضون عامين أو ثلاثة أعوام، سنعود إلى عالم تكون فيه أسعار الفائدة الاسمية للبنوك المركزية في الاقتصاد المتقدم، مقيدة بانتظام بالحد الأدنى الفاعل ELB. يحدد معدل الفائدة الاسمي الصفري على العملة "النقدية" حدا أدنى قريب من الصفر بموجب سعر فائدة البنك المركزي.
إن معدل الفائدة الحقيقي الطبيعي المنخفض للغاية ومعدلات التضخم المنخفضة يجعلان من المحتمل أن يكون الحد الأدنى الفاعل قيدا ملزما. ورغم ارتفاع معدلات الفائدة الاسمية بشكل كبير منذ 2020، مع بلوغ معدل الفائدة لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الآن 4.75 إلى 5 في المائة، لا تزال معدلات الفائدة الحقيقية "المعدلة حسب التضخم" قصيرة الأجل بالكاد إيجابية في الولايات المتحدة، وتظل سلبية ماديا في معظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى. ووفقا لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، كان سعر الفائدة الحقيقي في الولايات المتحدة لمدة عشرة أعوام يبلغ نحو 2 في المائة فقط، وكان ذلك أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية لـ2008.
إذا واجه بنك الاحتياطي الفيدرالي مرة أخرى موقفا حيث يخضع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية لقيود يفرضها الحد الأدنى الفاعل، فإنه بذلك يكون قد فقد الأداة الأكثر فاعلية لتوفير الحوافز اللازمة لمواجهة التضخم دون المستوى المستهدف أو البطالة المفرطة. ودون القدرة على خفض أسعار الفائدة إلى مستويات أدنى، ستكون أدواته الوحيدة المتبقية هي التيسير الكمي "شراء أصول عالية الجودة"، والتيسير النوعي "شراء مطالبات مالية منخفضة المستوى"، والتحكم في منحنى العائد "شراء سندات ذات مدة استحقاق معينة على أي نطاق مطلوب للحفاظ على عائداتها ضمن نطاق معين"، والتوجيهات المستقبلية.
يكمن النبأ السيئ في أن هذه الخيارات ليست فاعلة مثل تخفيضات أسعار الفائدة في تحفيز الطلب الكلي. والأسوأ من ذلك أن التسهيل الكمي والنوعي يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على الاستقرار المالي، كما لم يقم بنك الاحتياطي الفيدرالي قط بالتحكم في منحنى العائد.
يتمثل الخبر السار في أن بنك الاحتياطي الفيدرالي "والبنوك المركزية الأخرى" لديها خيار آخر واعد، وهو التخلص من الحد الأدنى الفاعل تماما عن طريق إلغاء النقد وإدخال عملة رقمية جيدة التصميم للبيع بالجملة والتجزئة متاحة على نطاق واسع لعامة الناس .
ستكون العملة الرقمية للبنك المركزي في أبسط أشكالها، عبارة عن التزام إيداع قابل للتحقق قائم على الحساب الرقمي للبنك المركزي. من الممكن إدارة العملة من خلال قاعدة بيانات تقليدية خاضعة للرقابة المركزية، ويظل من الممكن إدارة حسابات التجزئة الخاصة بالأفراد من قبل البنوك الحالية وخدمات الدفع والوسطاء المعتمدين الآخرين. وبدلا من ذلك، يمكن للعملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي استخدام تقنية دفتر الموزع مثل "بلوكتشين".
وأيا كان التصميم المفضل، فإن مفتاح القضاء على الحد الأدنى الفاعل يتمثل في القدرة على دفع فائدة، بأي سعر سلبي أو إيجابي، على الأرصدة المستحقة، ما يعني ضمنا أن المصدر "البنك المركزي" يجب أن يكون قادرا على تحديد المحفظة الرقمية الفريدة التي تحتوي على كل وحدة من وحدات العملة الرقمية للبنك المركزي في أي وقت. ورغم أن هذا يعني أن العملة الرقمية للبنك المركزي لا يمكن أن تكون أداة خاصة بحاملها مثل النقد، إلا أن هذا لا يعني أن البنك المركزي يحتاج إلى معلومات حول المالكين المنتفعين من تلك المحافظ. لا يمكن أن تكون حسابات العملة الرقمية للبنك المركزي مجهولة المصدر، لكن مثل حافظات بيتكوين الحالية، يمكن أن تكون ذات اسم مستعار. وكما هو الحال مع عملة بيتكوين، سيكون سجل المعاملات الكامل للعملات الرقمية للبنك المركزي القائم على تقنية "بلوكتشين" على نطاق عام، ما قد يمكن البنك المركزي "أو أي طرف ثالث آخر مهتم" من استنتاج الملكية النفعية لأي محفظة.
إنه ببساطة أمر لا مفر منه أن توفر العملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي المدرة للفوائد خصوصية أقل من النقد، بغض النظر عما إذا كان يتم تنفيذها باستخدام نظام مركزي قائم على الحسابات أو نظام مرخص مستند إلى تقنية دفتر الأستاذ الموزع. وبالنسبة إلى الليبراليين الذين يعدون كل الحكومات متطفلة أو طاغية أو شريرة، ستكون هذه سمة سلبية. لكن بالنسبة إلى أولئك الذين يشعرون بالقلق إزاء التهرب الضريبي وغسل الأموال وغير ذلك من السلوكيات غير القانونية، فإن عدم الكشف المطلق عن الهوية يعد خبرا سارا.
إذا كانت العملة الرقمية للبنك المركزي متاحة على نطاق واسع وسهلة الاستخدام، فيجب أن يتمكن حتى الأشخاص الأكثر تحديا من الناحية التكنولوجية من التعامل معها بسهولة، عبر شبكات الإنترنت وخارجها، ما يعني أن الاستبعاد المالي لن يكون مشكلة. صحيح أن نجاح وفاعلية العملة الرقمية للبنك المركزي CBDC من المرجح أن يتسبب في الاستغناء عن الوساطة من جانب النظام المصرفي، حيث تستبدل الأسر والشركات حيازات العملة الرقمية للبنك المركزي بالودائع المصرفية. لكن إذا كان البنك المركزي قلقا بشأن ذلك، فيمكنه إقراض عائدات إصدار العملة الرقمية الخاصة به إلى القطاع المصرفي.
يعد بنك الاحتياطي الفيدرالي خلف المنحنى. فقد أظهر متتبع العملة الرقمية للبنك المركزي التابعة للمجلس الأطلسي الذي يضم 119 دولة أو اتحاد عملات أن 11 دولة قد أطلقت بالفعل بشكل كامل العملات الرقمية الصادرة عن البنك المركزي "جامايكا وجزر الباهاما وثماني دول في اتحاد عملة شرق الكاريبي ونيجيريا"، بينما دخلت 18 دولة أخرى المرحلة التجريبية "بما في ذلك الصين والهند وروسيا وأستراليا وتايلاند وكوريا الجنوبية". من المرجح أن يبدأ البنك المركزي الأوروبي تجربة عملة رقمية هذا العام.
من ناحية أخرى، "لم يتخذ بنك الاحتياطي الفيدرالي أي قرار" بشأن هذه المسألة. إنه "ملتزم بضمان استمرار سلامة وتوافر النقد" وينظر إلى "العملة الرقمية للبنك المركزي باعتبارها وسيلة لتوسيع خيارات الدفع الآمنة، وليس لتقليلها أو استبدالها". لن يساعد ذلك في المرة المقبلة التي يمنع فيها الحد الأدنى الفاعل صناع السياسة من توفير الحافز اللازم. يحتاج بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى الاستيقاظ والوصول إلى المقدمة.