المقالات
التحول الرقمي في صناعة الخدمات اللوجستية
تعد الخدمات اللوجستية من الصناعات الحيوية في العالم وتختص بجميع عناصر سلسلة التوريد من المصنع إلى العميل النهائي، مرورا بوسائل النقل المختلفة من الشركة المصنعة إلى المستودع والتخزين وتنفيذ الطلبات والتسليم إلى العملاء. وتتميز أدوار الخدمات اللوجستية في النقل والتسليم والتخزين والتعبئة ومناولة البضائع ومعالجة التوزيع وتخزين البيانات والمعلومات، وترسم عادة عديدا من الأنظمة والإجراءات لتسليم المنتجات من موقع الإنتاج أو المصنع إلى العميل في الوقت واليوم المحددين.
أ. د. عصام بن عبدالعزيز العمار
الاقتصادية
Thursday, June 22, 2023 - 10:10 AM
Views: 954
لقد تعافت صناعة الخدمات اللوجستية العالمية من جائحة كورونا في 2022، وبلغ حجم سوق الخدمات اللوجستية العالمية ما يقرب من 9.96 تريليون دولار، ومن المتوقع أن تنمو سوق الخدمات اللوجستية العالمية بمعدل نمو سنوي مركب قدره 6.3 في المائة بين 2023 و2028 لتصل إلى قيمة تقارب 14.37 تريليون دولار بحلول 2028. ولذلك أولت رؤية المملكة 2030 هذه الصناعة جانبا من الأهمية وكان نتاجها تعديل تسمية وزارة النقل لتصبح "وزارة النقل والخدمات اللوجستية" في 2021، وجاء إقرار الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية في العام نفسه، إيذانا بأهمية قطاعي النقل والخدمات اللوجستية في برامج الرؤية. وتمتلك المملكة موقعا جغرافيا مميزا يتوسط خطوط التجارة العالمية، وتقع على بحرين مهمين هما: الخليج العربي والبحر الأحمر، ولذلك تستغل هذه الفرصة الذهبية مع مرور ثلث صادرات العالم من النفط عبر الخليج العربي، في حين أن 13 في المائة من حجم التجارة الدولية تمر عبر البحر الأحمر. وتمتلك المملكة أكبر اقتصاد في منطقة شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، وتسهم في نحو 38 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، و21 في المائة من تعداد السكان في هذه المنطقة، وتعمل المملكة على تعزيز قدرتها التنافسية في الخدمات اللوجستية والمساهمة في زيادة حجم الصادرات غير النفطية وتنويع مصادر الدخل في البلاد، وفقا لأهداف رؤية 2030. ويستهدف رفع حجم سوق صناعة الخدمات اللوجستية في المملكة من 17 إلى 57 مليارا بحلول العام الحالي، ما يسهم في دعم التنمية المستدامة وتوليد فرص التوظيف والعمل.
لقد أحدث التحول الرقمي تغيرا واضحا للتجارة عبر الإنترنت في جميع أنحاء العالم، وسرع هذا الاتجاه في تغير عالم الأعمال في جميع القطاعات المختلفة، بينما عصف التحول الرقمي بالصناعات من أجل مستقبل جديد. وتكيفت بعض الكيانات مع التقنيات الحديثة، لكن بقي بعض منها في آخر الصف، ومن الصناعات التي أخذت جانبا من هذا العصف هي الخدمات اللوجستية. لقد تطورت صناعة الخدمات اللوجستية لتصبح أكثر كفاءة وسرعة وقابلية للتكيف مع احتياجات العملاء، ولعل السبب يعزى إلى التقاء قوى متصاعدة، مثل أمازون وعلي بابا، والأتمتة والروبوتات، والكهرباء والاستدامة، وغيرها. ولكي نبسط مفهوم التحول الرقمي في مجال صناعة الخدمات اللوجستية، فهي استخدام التقنيات الرقمية الحديثة، مثل الأتمتة وأجهزة الاستشعار من بعد وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي وغيرها، لتحسين كفاءة وفاعلية واستجابة الأنظمة اللوجستية من أجل تلبية احتياجات العملاء والشركات بشكل أفضل. ويـعد التحول الرقمي مهما في صناعة الخدمات اللوجستية، حيث يمكن لشركاتها تعقب وتتبع نقل البضائع في الوقت الفعلي بمساعدة التقنيات الرقمية، ما يمكنها من تحديد مجالات التنمية وتعزيز الكفاءة.
إن أحد أمثلة الخدمات اللوجستية الرقمية هي التكامل اللوجستي مع المكدس التقني للأعمال التجارية من أجل تمكين تدفق معلومات الطلب اللوجستية. ويؤدي هذا الأسلوب إلى تفادي إدخال الطلبات يدويا عبر الأنظمة، ما يساعد على تقليل الأخطاء ويوفر مزيدا من الوقت لفرق الخدمات اللوجستية. لذلك نرى أن التحول الرقمي لسلسلة التوريد يدمج ويستخدم اتجاهات التقنية الحديثة في جميع مجالات الأعمال وينظم بشكل أساسي كيفية عمل الشركات اللوجستية وتقديم القيمة للعملاء، إضافة إلى إدخال التحول الرقمي عامل الذكاء في سلاسل التوريد للخدمات اللوجستية أو بما يعرف بالخدمات اللوجستية الذكية. ومن أهداف الخدمات اللوجستية الذكية، استخدام التقنيات الرقمية، مثل البلوكتشين والبيانات الضخمة لتحسين العمليات التي تتم في المستودع والموانئ. وتعد الحوسبة السحابية من أكثر التقنيات تأثيرا في التحول الرقمي بين شركات الشحن والخدمات اللوجستية، ويتبع ذلك الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. كما نرى أن تقنيات الحوسبة الحدية والواقع الافتراضي والواقع المعزز والمركبات الكهربائية والروبوتات المستقلة من ضمن القائمة أيضا. وفي حقيقة الأمر، فإن تقنيات أجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات والروبوتات مطبقة بالفعل في صناعة الخدمات اللوجستية العالمية، بل إن المركبات ذاتية القيادة وتقنيات المراقبة عن بعد تعد متوافقة بشكل كبير. وتقوم تقنية الذكاء الاصطناعي بدور جوهري وفاعل في صناعة الخدمات اللوجستية، حيث يمكن للتنبؤ بالطلب على المنتج والتخطيط اللوجستي أن يلعب دورا في تحسين الخدمات وتسريع النقل وتقليص الوقت وتوفير التكاليف. وبإمكان تقنية الذكاء الاصطناعي كذلك التنبؤ باتجاهات السوق وتعديل الطلبات وتغير مسار المنتجات في المستودعات. وتساعد هذه التقديرات المنظمات العاملة في صناعة الخدمات اللوجستية على تغيير الطلبات وتسليم السلع المطلوبة إلى المستودعات المحلية بكل كفاءة وسرعة. أما تقنية إنترنت الأشياء، فتمنح شركات الخدمات اللوجستية القدرة على تتبع موقع الشحنات، ومراقبة درجة حرارة الحاوية والرطوبة النسبية والظروف الأخرى في الوقت الفعلي، خصوصا مع توافر الأجهزة اللاسلكية، مثل علامات تحديد التردد اللاسلكي RFID وأجهزة استشعار نظام تحديد المواقع العالمي. إن أفضل أمثلة للشركات اللوجستية العالمية التي تفعل التحول الرقمي هي GXO Logistics وDHL وUPS وفيديكس وأمازون وعلي بابا وكينكو وغيرها، حيث وضعت إداراتها خطة استراتيجية رقمية محكمة لتمكين وتفعيل التحول الرقمي ومراقبة الأداء وتمكين الفرق العاملة وإنشاء ثقافة رقمية...
تقوم الاستراتيجية الرقمية بصورة عامة على خمسة عناصر أساسية، وهي: البيانات والعملاء والابتكار والمنافسة والقيم. ونستطيع الإبحار في كل عنصر، حيث يأخذ شكلا مهما في التحول الرقمي في صناعة الخدمات اللوجستية. فالبيانات اللوجستية تتضمن المهلة الزمنية ووقت التسليم الطويل ومخزون الأوامر الاقتصادية وكمية الطلبات وتكرارها ونافذة الإلغاء وفترة الطلب والقدرة الإنتاجية وغيرها. وتعد البيانات اللوجستية مصدرا مهما لتقييم جميع مؤشرات الأداء الرئيسة، وكذلك الجوانب اللوجستية التجارية. بينما تعد خدمة العملاء اللوجستية جزءا من اسراتيجية العملاء الشاملة للشركة وتتضمن عناصر خدمة العملاء الخاصة بالعمليات اللوجستية بما في ذلك الوفاء والسرعة والجودة والتكلفة. ويتحول المفهوم بالكامل لكي يدخل مجال تجارب العملاء اللوجستي، بحيث يتضمن حصول العملاء على المنتجات والخدمات عندما يكونون في حاجة إليها. ويشير الابتكار اللوجستي إلى تجديد كل من التقنيات والخدمات والأفكار التي تستخدم لتحسين العمليات اللوجستية. على سبيل المثال، حصلت شركة أمازون على براءة اختراع لمنطاد ذاتي القيادة يطلق طائرات التوصيل الخاصة بالشركة دون طيار. وعلى الرغم من عدم وجودها حتى الآن، إلا أنها تمثل إحدى الطرق العديدة التي تتطور بها الصناعة. وبالفعل قد يستحق الأمر إنشاء مركز للابتكار في الخدمات اللوجستية تحت إدارة وزارة النقل والخدمات اللوجستية. من جانب آخر، فقد اعترف بصناعة الخدمات اللوجستية على أنها مصدر للميزة التنافسية في الممارسات العملية والأوساط الأكاديمية. ويكمن التأثير المحتمل في الحصول على رؤية أعمق لدور الخدمات اللوجستية في استراتيجية الشركات، حيث تبحث شركات الخدمات اللوجستية دائما عن ميزة تنافسية تميزها عن الآخرين الذين يقدمون منتجا أو خدمة مماثلة. ويتم اكتساب الميزة التنافسية من خلال تقديم خدمات للعملاء ذات قيمة أكبر أو أسعار أقل أو مزايا أفضل. أما القيم اللوجستية، فهناك أربعة عناصر رئيسة تتمحور حول العميل بالطبع، وهي: الجودة والخدمة والتكلفة والوقت. وتتعلق الجودة بالأداء الجيد والمواصفات الفنية للمنتج المعروض والتي تغطي متطلبات العملاء. وتشمل الخدمة جميع الخدمات أو الدعم التي يتم تسليمها للعميل بعد الشراء، ويتضمن ذلك المرونة لتلبية طلبات العملاء أو تغييرات السوق أيضا. وتشمل التكلفة جميع المعاملات التي يدفعها العميل وتعتمد على تكاليف اللوجستيات بما في ذلك التصميم والإنتاج وضمان الجودة والتوزيع والمخزون والتكاليف التشغيلية الأخرى. بينما يؤخذ الوقت كعامل مهم في إيجاد قيم مهمة مثل تسليم المنتج للعميل أو الاستجابة لمتطلباته.
إن أفضل طريقة للتحضير والإعداد للتحول الرقمي في صناعة الخدمات اللوجستية هي تبني أحدث التقنيات، سواء أكانت كوادر روبوتية أم تتبعا متقدما للطرود أم شاحنات ذاتية القيادة. وحيث من الضروري أن تكون الشركات اللوجستية جاهزة للتغييرات المقبلة إلا أن الانتقال من عملية إلى أخرى يمثل بلا شك تحديا لجميع المعنيين، لكن التحديات تصبح أكثر وضوحا مع استمرار الشركات في التطور لمواكبة التغيرات المستجدة في المجتمع الحديث. ومع اختلاف التحديات من شركة إلى أخرى، فلا يجب أن يكون التحول الرقمي تحديا بذاته، لأنه يحتاج إلى تخطيط سليم ومنظم مدعوم من الإدارة العليا وفكر ثقافي عال لتقبل مراحل التغيير وتبعاته، لكي يتم تنفيذ الاستراتيجية الرقمية بسلاسة ومرونة. من جانب آخر، قد تكون الخدمات اللوجستية صناعة أكثر تعقيدا على الرغم من وجود عديد من أنظمة تخفيف المخاطر. على سبيل المثال، تعتمد بعض جوانب الخدمات اللوجستية بشكل كبير على سائقي الشاحنات الذين يقودون شاحناتهم ساعات عديدة عبر مسافات طويلة كل يوم، وقد يقومون أحيانا بتجاوز الأنظمة حتى يتمكنوا من الوفاء والالتزام بالمواعيد النهائية المحددة. ولا غرو أن التحول الرقمي في مجال الخدمات اللوجستية سيساعد على تخفيف بعض الضغوط الواقعة على الصناعة بسبب النمو المتسارع في التجارة الإلكترونية. ومن المتوقع أن تشهد الصناعة تدفقا للشاحنات ذاتية القيادة حيث قد يستبدل سائقو الشاحنات بتقنيات القيادة الذاتية بمجرد إتقان التقنية بصورة فاعلة التي ستكون أكثر أمنا وسلامة لأن البشر عرضة للأخطاء وخرق الأنظمة، لكن قد يرى البعض أن في صناعة الخدمات اللوجستية الرقمية تقليصا في توظيف الأيدي العاملة، وبالتالي توفيرا في التكاليف المادية.
إن من الأهمية بمكان أن تعمل شركات الخدمات اللوجستية بشكل استباقي لابتكار وتبني وتطبيق التقنيات الرقمية الذكية من أجل المنافسة والبقاء في السوق وتقديم قيم متجددة للعملاء. ويجب أن تكون شركات الخدمات اللوجستية سريعة في ابتكار وتطوير الحلول الرقمية لمواكبة الأرباح وتعظيمها. لقد أصبح التحول الرقمي والتقنيات الجديدة أدوات لا يمكن الاستغناء عنها والعمل من دونها للتحول الضروري في سلاسل التوريد. وتعد التقنيات الجديدة أكثر ضرورة وإلحاحا لتعزيز القدرات وتحسين الأداء وتحقيق الجودة مع ضمان مرونة وكفاءة سلاسل التوريد، ويتجه الآن عديد من الشركات اللوجستية العالمية نحو تطبيق الحلول المبتكرة القادرة على تسخير الإمكانات التي توفرها التقنيات الرقمية الحديثة. وحان الوقت أن تقوم شركاتنا الوطنية العاملة في صناعة الخدمات اللوجستية بدراسة كل الحلول الممكنة لدخول المملكة عصر الصناعة اللوجستية الرقمية والنمو والتوسع معه وفقا لإمكانات وخصائص كل شركة، لأنه ضرورة وليس خيارا إذا أردنا أن نكون قادرين على البقاء والمنافسة في سوق الخدمات اللوجستية العالمية بإمكانات وقدرات أكثر أمانا وموثوقية وفاعلية. وهذا ما نطمح أن تقوم به وزارة النقل والخدمات اللوجستية في تمكين التحول الرقمي في صناعة الخدمات اللوجستية ودفع شركات الخدمات اللوجستية المحلية نحو تبني استراتيجية رقمية ترتكز على أسس متينة وأهداف واضحة، وتذليل الصعوبات التي قد تواجهها. وقد تقوم الوزارة بالتعاون مع بعض الجهات المتخصصة الأخرى بدور الإرشاد والتوعية وإقامة ورش العمل المختلفة في مجال التحول الرقمي في صناعة الخدمات اللوجستية.