المقالات
ركائز الأمن الاقتصادي
الانقطاعات الحالية في سلاسل الإمداد تعيد التأكيد على أهمية النظام التجاري متعدد الأطراف القائم على قواعد منظمة التجارة العالمية، وبات الأمن الاقتصادي في صدارة المناقشات حول السياسات في الوقت، الذي أدت فيه مجموعة من الأزمات - جائحة كوفيد - 19 والحرب في أوكرانيا في الآونة الأخيرة - إلى انقطاعات في سلاسل الإمداد العالمية. وتعكف الحكومات حول العالم على تحري السبل لجعل الدول أقل عرضة لتلك الانقطاعات، ولا سيما في الوقت الحالي الذي تضيف فيه الاضطرابات الجغرافية - السياسية المتصاعدة بعدا جديدا إلى حالة عدم اليقين السائدة. وفي هذا الصدد، أصبحت إعادة توطين الأنشطة والتوريد من الدول الصديقة من التوصيات الشائعة على مستوى السياسات، وزاد الحديث عن التفكك العالمي.
رالف أوسا
الاقتصادية
الأربعاء,5 يوليو 2023 - 10:16 ص
مشاهدات: 194
وفي هذا المقال، أطرح رؤية مختلفة تؤكد المنافع المتأتية من قوة النظام التجاري متعدد الأطراف القائم على قواعد منظمة التجارة العالمية. وأدلل على أن مثل هذا النظام هو أفضل ضمان للأمن الاقتصادي لما يتيحه من مرونة غير مسبوقة للأسر والشركات المتضررة من نقص الإمدادات. أما أين قد يقع عجز الإمدادات أو من لديه القدرة على التدخل، فهي أسئلة يصعب التنبؤ بإجابتها، ما يجعل من الضروري توفير مجموعة واسعة من الخيارات الخارجية.
وهناك شواهد متزايدة على أن "الأمن المرن" الذي يتيحه نظام التجارة متعدد الأطراف قد أثبت فعالية كبيرة في التخفيف من نقص الإمدادات. وتكيف إثيوبيا مع الحرب الفادحة في أوكرانيا هو مثال واضح على ذلك. فكما أشار تقرير منظمة التجارة العالمية الذي صدر أخيرا حول التداعيات التجارية للحرب، استوردت إثيوبيا 45 في المائة من القمح من روسيا وأوكرانيا قبل الحرب ثم شهدت لاحقا تراجعا حادا في حجم هذه الواردات - بنسبة 75 في المائة في حالة روسيا و99.9 في المائة في حالة أوكرانيا. غير أن إثيوبيا استطاعت التصدي لهذه الانقطاعات من خلال الزيادة الكبيرة في واردات القمح من الولايات المتحدة والأرجنتين رغم عدم استيرادها القمح من الأرجنتين من قبل. وهكذا، يتضح أن مثل هذا الإحلال الفوري بين الموردين البدلاء كان ليصبح أكثر صعوبة في اقتصاد عالمي متفكك.
وبشأن وضع سلاسل الإمداد العالمية فتعكس الشواهد تركزا كبيرا في سلاسل الإمداد العالمية. فعلى سبيل المثال، لا نجد تنوعا في سلاسل الإمداد إلا في قلة قليلة من الشركات الأمريكية من حيث استيراد المنتج نفسه من أكثر من بلد.
استنادا إلى البيانات الاقتصادية الكلية، تشير تقديرات اقتصاديي منظمة التجارة العالمية إلى أن 19 في المائة من الصادرات العالمية تصنف ضمن فئة منتجات "عنق الزجاجة"، التي تعرف بأنها المنتجات المتاحة من خلال عدد محدود من الموردين رغم حصتها السوقية الكبيرة . ومما يثير الاهتمام أن هذه الحصة تضاعفت خلال العقدين الماضيين، ما يعني أن سلاسل الإمداد العالمية أصبحت أقل تنوعا بمرور الوقت.
وقد نميل إلى تفسير هذه الحقائق بوصفها شواهد بدهية على نقص التنوع، لكن كونها مجرد انعكاس للتكاليف الغارقة الباهظة في تكوين سلاسل القيمة العالمية هو الاحتمالية الأكبر. فالشركات تتحمل تكلفة كبيرة في تحديد المورد الأجنبي المناسب، وتنسيق عمليات الإنتاج، وبناء علاقات موثوقة، ومن ثم فإن عليها ترشيد استراتيجيات التوريد العالمية. والأهم من ذلك أن الشركات لها مصلحة كبيرة أيضا في تجنب انقطاعات سلاسل الإمداد نظرا إلى تأثيرها المباشر في ميزانياتها النهائية. وحسب تقديرات شركة ماكينزي، فإن انقطاعات سلاسل الإمداد تكلف الشركات ما يزيد على 40 في المائة من أرباحها السنوية خلال العقد الواحد في المتوسط.
كذلك يشير تباطؤ تكيف سلاسل الإمداد العالمية مع الاضطرابات التجارية بين الصين والولايات المتحدة إلى وجود تكاليف غارقة باهظة. ويمكن بالفعل رصد البوادر الأولى على هذا الانفصال في عدد من المنتجات شديدة الانكشاف، كما أشار تشاد باون أخيرا. لكن ما يثير الدهشة أن حجم التجارة الثنائية بين الصين والولايات المتحدة سجل مستويات قياسية عام 2022 رغم استمرارهما في فرض تعريفات جمركية مرتفعة.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، تجدر الإشارة إلى أن التخصص على مستوى الدول هو نتيجة طبيعية لقوى الميزة النسبية وأحد المصادر المعتادة للمكاسب التجارية. وقد أشرت بالفعل في دراسات أخرى إلى أن منافع التجارة تكمن تحديدا فيما توفره من فرص الحصول على المنتجات التي يصعب العثور على بدائل محلية لها، وذلك باعتبار أن الـ10 في المائة من المنتجات الأكثر أهمية تمثل 90 في المائة من مكاسب التجارة. ويتضح من ذلك أن التنوع في إنتاج منتجات "عنق الزجاجة" المشار إليها آنفا يفرض على الأرجح تكلفة كبيرة على مستويات الرخاء.
وحسب تقديرات اقتصاديي منظمة التجارة العالمية، قد يؤدي تفكك الاقتصاد العالمي إلى كتلتين متنافستين إلى الحد من الدخول الحقيقية بنسبة 5.4 في المائة في المتوسط، بينما تسهم إعادة إحياء التعددية في زيادة الدخول الحقيقية بنسبة 3.2 في المائة، وبالتالي تبلغ تكلفة الفرصة البديلة للتحول إلى المنافسة الجغرافية ـ السياسية بدلا من التعاون الدولي 8.6 في المائة. وتجدر الإشارة إلى أن تكاليف الفرصة البديلة تراوح بين 4 و6 في المائة بالنسبة إلى الاقتصادات المتقدمة و2 و10في المائة بالنسبة إلى الاقتصادات النامية لتصل إلى 3 و11 في المائة بالنسبة إلى الاقتصادات الأقل نموا. وتواجه الدول منخفضة الدخل الأخطار الأكبر على الإطلاق نظرا إلى أنها الأكثر استفادة من الآثار التكنولوجية الإيجابية المقترنة بالتجارة الدولية.
صدرت أخيرا دراسة تتضمن تحليلا أكثر دقة لأهمية التدخل من خلال السياسات لمواجهة الانقطاعات المحتملة في سلاسل الإمداد "دراسة Grossman، Helpman، and Lhuillier 2023". ويشير المؤلفون إلى إخفاقين سوقيين متقابلين يمكن تصحيحهما من خلال السياسات. فمن ناحية، تجد الشركات حافزا على عدم ضخ استثمارات كافية في صلابة سلاسل الإمداد نظرا إلى ما يتحمله المستهلكون من تكلفة جزئية نتيجة انقطاعات سلاسل الإمداد.
من جانب آخر، فإن الشركات لديها الحافز على زيادة الاستثمارات في صلابة سلاسل الإمداد التي قد تتيح لها الاستفادة من فرص الربح الاستثنائية المقترنة بانقطاعات سلاسل الإمداد. والخلاصة أن أهمية التدخل من خلال السياسات محدودة، وربما ترغب الحكومات في التشجيع على إعادة توطين النشاط، أو الإنتاج في الخارج، أو كليهما، أو تجنب الخيارين.
ويعني ذلك بالضرورة ضعف الحجة للتدخل في سلاسل الإمداد العالمية من خلال السياسات.
والصلابة مرغوبة لكنها مكلفة، ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الشركات دائما ما تكون أقل أو أكثر عرضة من اللازم لأخطار سلاسل الإمداد. لكن علينا أن نقر بأن هذا التحليل يستند إلى بعض اعتبارات الأمن القومي التي تشير إليها المناقشات الجارية حول السياسات. ففي ظروف معينة، يمكن القول إن الشركات لا تراعي العوامل الأمنية الخارجية المرتبطة بأنشطتها التجارية ـ ما قد يبرر حينها التدخل المحدود في سلاسل الإمداد العالمية لمراعاة تلك العوامل.
وتتسق هذه الاعتبارات النظرية إلى حد كبير مع الشواهد المتاحة. فقد أثبتت التجارة العالمية صلابة ملحوظة ـ وكانت أيضا من مصادر الصلابة المهمة ـ أثناء الجائحة والحرب في أوكرانيا. فعقب تفشي كوفيد - 19، تعافت التجارة بعد مرور ثلاثة أرباع على الهبوط الذي شهده الربع الثاني من 2020، وزودت الأسر باحتياجاتها من الكمامات واللقاحات والأجهزة اللازمة للعمل من المنزل لمواجهة حالة الطوارئ التي هددت الصحة العامة.
وبعد عام منذ بداية الحرب في أوكرانيا، لا يزال أداء التجارة يتجاوز التوقعات عقب التراجع المبدئي في بعض المنتجات، مثل القمح. وقد ساعد ذلك على ضمان تجنب نقص الغذاء إلى حد كبير، حتى في الدول شديدة الانكشاف مثل مصر وإثيوبيا وتركيا
يتضح من هذه الاعتبارات أن الدور الأساسي للسياسات يكمن في إتاحة الإطار الاقتصادي اللازم لازدهار سلاسل الإنتاج الصلبة. ومن الجوانب المهمة لهذا الدور الدفاع عن النظام التجاري متعدد الأطراف الذي يضمن أن تظل الحواجز التجارية منخفضة وواضحة وغير تمييزية. ويجدر بنا أن نتذكر أن النظام التجاري متعدد الأطراف هو أحد إنجازات المجتمع الدولي التاريخية وليس نتاجا طبيعيا للسياسات التجارية الدولية. فقد أنشئ هذا النظام في لحظة حاسمة عقب الحرب العالمية الثانية بعد ثلاثة عقود كارثية شهدت تراجع العولمة.
وطبيعة النظام التجاري متعدد الأطراف باعتباره نظاما قائما على القواعد من العوامل المهمة للغاية لأمن سلاسل الإمداد. فالنظام لا يحد من مخاطر انقطاعات سلاسل الإمداد الناجمة عن السياسات فحسب، بل تزداد معه أيضا احتمالية استمرار الانفتاح السوقي عندما تكون هناك حاجة ماسة إلى توافر مصادر بديلة للإمداد. وتغيب هذه المزايا عن النظام التجاري القائم على القوى الذي يتيح للدول حرية تعديل السياسات التجارية حسبما يتراءى لها.
وهناك عديد من الدراسات حول أثر عدم اليقين بشأن السياسات التجارية في تقويض التدفقات التجارية. فعلى سبيل المثال، أشارت دراسة Handley (2014)، إلى أن تراجع التعريفة الجمركية المفروضة يزيد من التدفقات التجارية حتى إن ظلت التعريفة المطبقة ثابتة. والسبب في ذلك أن تراجع التعريفة المفروضة يحد من عدم اليقين بشأن السياسات التجارية من خلال تضييق نطاق التغير المحتمل في التعريفة المطبقة. وأحيانا ما تطبق الدول تعريفات أقل من التعريفة المفروضة بموجب التزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية، ما تنشأ عنه فروق بين التعريفة الملزمة والتعريفة المطبقة.
وبوجه أعم، يترتب على ذلك ضرورة الحفاظ على مصداقية النظام التجاري متعدد الأطراف. فالأهمية لا تكمن في السياسات التي تلتزم بها الدول فحسب، بل في مدى المصداقية المعتقدة لهذه الالتزامات. ويعني ذلك أن أي انتهاكات لقواعد منظمة التجارة العالمية تنشأ عنها أضرار جانبية حادة تؤدي إلى تقويض النظام التجاري متعدد الأطراف ككل. والحفاظ على مصداقية النظام التجاري متعدد الأطراف يفرض على منظمة التجارة العالمية تحديا مماثلا لما تواجهه البنوك المركزية من تحد في تثبيت ركائز التوقعات التضخمية.
وجميع ما سبق لا يعني أن الإطار الاقتصادي لعمل التجارة العالمية يستحيل تحسينه. فإذا كان الهدف هو تعزيز صلابة سلاسل الإمداد العالمية، فمن الطبيعي الاسترشاد بمبدأ "إعادة صياغة العولمة"، كما تسميه منظمة التجارة العالمية. فالفكرة هي العمل تجاه تحقيق عولمة أكثر شمولا، بحيث تتيح لمجموعة أكبر من الدول المشاركة في سلاسل القيمة العالمية.