المقالات
التعامل مع التقنية الرقمية وتحدياتها
يتمتع الإنسان بصفات عديدة تؤثر في سلوكه، وفي تكوينه لآرائه، وتحديده لتوجهاته، وكذلك في اتخاذه لقراراته في مختلف شؤون حياته الاجتماعية والمهنية. لا تنبع هذه الصفات من تكوينه الخلقي، الذي أراده الله له فقط، ولا تأتي متأثرة بثقافة نشأته الأولى فقط، كما أنها لا تبرز نتيجة لدراساته وما يحصل عليه من معرفة وتخصص فقط، لكنها، إضافة إلى ما تقدم، ترتبط بما يتراكم لديه من خبرات، وما يشهده من تغيرات وتطورات، ومن تحديات ومتطلبات، يفرزها العصر الذي يعيش فيه.
أ.د.سعد علي الحاج بكري
الاقتصادية
Thursday, July 06, 2023 - 05:46 AM
Views: 607
يشهد هذا العصر تغيرات متسارعة، تتضمن ظهور وسائل مؤثرة، وغير مسبوقة، وبصورة مستمرة. فالثورة الصناعية تتجدد باستمرار، لتعطي منتجات من السلع والخدمات التي يعتمد أثرها على مدى استخدام الإنسان لها، وعلى طبيعة هذا الاستخدام، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. في الطاقة النووية، على سبيل المثال، نور يضيء الظلام، وحركة تفعل الإنتاج والخدمات، من ناحية، ثم فيها أيضا دمار وكوارث لا حدود لها، من ناحية ثانية. وفي التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، فاعلية وكفاءة ورشاقة وذكاء في التعامل مع المعلومات، عبر المسافات، وفي شتى المجالات، وفيها أيضا تحديات كثيرة لا بد من مواجهتها بالأساليب المناسبة. وتبرز في إطار ما سبق، الحاجة إلى الاهتمام بصفة "المرونة" في الإنسان، من أجل تعامل ناجح مع معطيات العصر المتجددة.
لا بد للمرونة المستهدفة من أن تسعى إلى تعامل مثمر مع معطيات العصر المتجددة، من أجل الاستفادة منها على أفضل وجه ممكن. وتجمع كلمة مرونة في لغتنا الجميلة، كلمتان باللغة الإنجليزية، يستحسن ذكرهما، والتعرف عليهما، نظرا إلى الانتشار الواسع لهذه اللغة، ونظرا أيضا إلى المعاني التي تحملها هاتان الكلمتان. هناك كلمة "مرونة Flexibility"، بمعنى مرونة النظر في شؤون الحياة، واستيعاب مضامينها، وفهم اختلافاتها. ثم هناك تعبير "مرونة Resilience"، بمعنى التكيف والصمود والمحافظة على الاستدامة الفاعلة، في مواجهة تحديات الحياة، ويقول المثل الشعبي العربي الشهير الذي يعبر عن مثل ذلك "لا تكن قاسيا فتكسر، ولا لينا فتعصر".
تتمتع الكلمتان بمعنى يتسم بالتكامل في مسألة التعامل مع شؤون الحياة المختلفة ومعطياتها. فإذا كانت الأولى تقضي بفهم هذه الشؤون، وإدراك مضامينها، واستيعاب معطياتها، وتفهم اختلافاتها، فإن الثانية تسعى إلى الصمود أمام التحديات، عبر التكيف معها، واختيار التوجهات المناسبة للتعامل معها والاستجابة لمتطلباتها، بما يؤدي إلى استمرارية التعامل، وربما تفعيله نحو الأفضل أيضا. ولا شك أن هذا المعنى المتكامل للمرونة يجب أن يتكلل بالإيجابية التي تضع كلا من جانب الفهم والإدراك من جهة، وجانب التكيف في التعامل من جهة أخرى في إطار الالتزام بمكارم الأخلاق. فالسلوك الأخلاقي مطلوب دائما في أمرين: في أمر الدنيا، من أجل تماسك المجتمع ونجاحه وسعادته، وفي أمر الآخرة وطموحات جنات النعيم.
سنطلق على المعنى الثنائي المتكامل لأسلوب المرونة في التعامل مع شؤون الحياة، وعلى الالتزام الأخلاقي فيه، تعبير "منهجية المرونة". ولا شك أننا نحتاج إلى مثل هذه المنهجية في تعاملنا الحالي والمستقبلي مع المعطيات التقنية المتجددة التي يشهدها هذا العصر، بما يشمل فوائدها وتحدياتها. وسنطرح هذا الأمر في التالي، وفي المقال المقبل -بمشيئة الله-، وذلك فيما يختص بالتقنية الرقمية والتحول الرقمي، وآفاق تفعيل الاقتصاد الرقمي، والاستفادة من معطياته.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس ببعيد عن التقنية الرقمية، لأنه على أرض الواقع جزءا صاعدا، بل فاعلا منها، يلعب دورا متزايدا في تعزيز إمكاناتها. وإذا أردنا أن نقدم أمثلة حول التقنيات الرقمية الصاعدة والفاعلة الأخرى، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، فلعلنا نذكر إنترنت الأشياء، وأنظمة الاستشعار والتحكم، والحوسبة السحابية، وأنظمة البيانات الضخمة، وأنظمة كشف المواقع، وأنظمة حماية عمل هذه التقنيات وما تحمله من معلومات، وغير ذلك من تقنيات رقمية رئيسة.
تكمن أهم التطبيقات العامة للتقنية الرقمية في توجهين رئيسين: أولهما، تقديم الخدمات والعمل والتعاون المعلوماتي عن بعد، ويرتبط هذا التوجه بمختلف مجالات الحياة، فلجميع نشاطات الإنسان الاجتماعية والمهنية جانب معلوماتي يسهم في تنفيذها. أما التوجه الآخر، فيرتبط بالتحكم المعلوماتي في عمل الأنظمة الميكانيكية والروبوتات، كما هو الحال في أنظمة قيادة السيارات والطائرات. ويختلف مستوى الذكاء الاصطناعي في كل من هذين التوجهين بين حالة وأخرى.
تقدم التقنية الرقمية معطيات يجب النظر إليها عبر منهجية المرونة. ويشمل ذلك سبر مكامنها، واستيعاب مضامينها، وإدراك فوائدها، والتعرف على اختلافاتها وشؤون استخدامها والاستفادة منها. ولأن هذه التقنيات تفرز تحديات أيضا، فلا بد من استكمال المنهجية، والصمود أمام هذه التحديات عبر التكيف الواعي أمام متطلباتها، والسعي إلى تحقيق الاستمرارية لشؤون الحياة المرتبطة بها، فضلا عن الطموح نحو تقديم المزيد.
تعطي التقنية الرقمية نوعين من الفوائد، في إطار استخدامها والاستفادة منها في التعامل مع المعلومات في شتى المجالات. يرتبط النوع الأول بفوائد تتسم "بالتوفير"، بمعنى التوفير في الزمن، وفي الحركة والتنقل، وفي مساحات العمل، وفي التكاليف، وغير ذلك. أما النوع الثاني فيرتبط "بالفوائد الجديدة غير المسبوقة"، التي لم تكن قائمة من قبل. وتشمل هذه الفوائد أداء الأعمال المعلوماتية آليا بذكاء غير مسبوق، والتحكم الذكي في الأنظمة الميكانيكية، ووجود فرص جديدة للتوسع في الأعمال، والارتقاء بمستوى جودة الحياة، وغير ذلك.
إضافة إلى الفوائد سابقة الذكر، تفرز التقنية الرقمية أنواعا من التحديات، يجب الاهتمام بالتكيف في التعامل معها، والاستجابة لمتطلباتها، والحفاظ على استدامة الاستفادة من فوائدها، بل السعي إلى تطوير هذه الاستفادة نحو الأفضل. ويرتبط التعامل المأمول بأربعة محاور رئيسة متكاملة: محور بشري يهتم بالإنسان، وآخر مهني يركز على عمله، وثالث تشريعي معني بالتنظيم اللازم، ورابع تقني يهتم بشؤون التقنية ومعطياتها وتطورها. وسنعود في المقال المقبل إلى المزيد في مسألة منهجية المرونة والتعامل مع التقنية الرقمية وتحدياتها، بما يشمل استيعاب معطياتها من جهة، ومواجهة تحدياتها من جهة أخرى
تشهد التقنية الرقمية تطورا مستمرا في مجالاتها المختلفة، ليعطي استخدامها بذلك مزيدا من الفوائد، ويسبب أيضا مزيدا من التحديات. وقد بدأنا في المقال السابق طرح مسألة منهجية المرونة في التعامل مع هذه التقنية للاستفادة من فوائدها بأفضل وجه ممكن، ومواجهة تحدياتها بالأساليب المناسبة من أجل تحقيق استدامة هذه الفوائد، وتفعيل تزايدها مع التقدم التقني المشهود. وتم في هذا الإطار، النظر إلى منهجية المرونة على أنها تصور متكامل لخصائص التقنية الرقمية، وأثرها في شؤون الحياة. وتضمن ذلك السعي إلى إدراك مضامين هذا التصور، واستيعاب معطياته، وتفهم جوانبه المختلفة، إضافة إلى الاهتمام بصموده أمام التحديات التي يواجهها، واختيار التوجهات المناسبة للتكيف اللازم للتعامل معه، بما يؤدي إلى استمرارية الاستفادة من معطياته، بل تفعيلها نحو الأفضل. كل ذلك في إطار الالتزام بمكارم الأخلاق.
بين المقال السابق أن فوائد استخدام التقنية الرقمية تشمل توفيرا في القيمة التي يحتاج إليها تنفيذ النشاطات المختلفة في غياب هذه التقنية. ويتجلى ذلك في توفير الزمن، ومساحات العمل، وغير ذلك. وتتضمن هذه الفوائد أيضا معطيات جديدة غير مسبوقة، مثل التحكم في أداء الأنظمة الميكانيكية، وإيجاد فرص لأعمال جديدة غير مسبوقة، فضلا عن الارتقاء بمستوى جودة الحياة، وغير ذلك. وأظهر المقال أيضا أن لتحديات استخدام هذه التقنية أربعة محاور رئيسة متكاملة تشمل: محورا بشريا، وآخر مهنيا، وثالثا، تشريعيا، ورابعا، تقنيا.
إذا بدأنا بالنظر إلى فوائد التقنية الرقمية، فإن الحقائق حول العالم تشير إلى إدراك واسع النطاق لفوائد التقنية الرقمية. ويشمل ذلك شتى القطاعات، العامة منها والخاصة، حيث يدفعها هذا الإدراك إلى تبني مسيرة التحول الرقمي. وانطلاقا من هذه الحقائق، فإن منهجية المرونة تقضي بالحاجة إلى مواكبة العالم، والالتزام بمسيرة هذا التحول، وتوجيهها نحو أفضل النتائج. وهناك جانبان رئيسان لمسيرة التحول الرقمي، جانب توفر الخدمات الإلكترونية من جهة، وجانب استخدام هذه الخدمات والاستفادة منها من جهة أخرى. بالطبع يسبق جانب توفر الخدمات جانب استخدامها زمنيا، ولعل من المناسب هنا العمل على الحد من زمن السبق هذا من أجل الاستفادة من فوائد الخدمات دون تأخير يؤدي إلى هدرها.
وتختلف الخدمات الإلكترونية في متطلبات الحد من زمن السبق. فالخدمات الحكومية المتاحة إلكترونيا تمثل ضرورة للجميع، وتتطلب فقط معرفة كيفية التعامل مع هذه الخدمات. وتتشابه الخدمات التجارية الإلكترونية مع هذه الخدمات، ولو أن جانب الاختيار في استخدامها أو عدم استخدامها متاح، إلا أن انخفاض تكاليف السلع وسهولة التعامل، عبر التجارة الإلكترونية، يصب في مصلحة الاستخدام.
ويبقى في التحول الرقمي خدمتان رئيستان هما: خدمة العمل عن بعد، وهي متوافرة على نطاق واسع، لكنها مستخدمة ضمن نطاق أقل اتساعا بسبب التحديات التي تواجهها، وخدمة الذكاء الاصطناعي، حيث يؤدي هذا الذكاء أعمالا تنافس عمل الإنسان في مهن مختلفة، وتتوافر هذه الخدمات بشكل يتزايد تدريجيا، لكن استخدامها يواجه تحديات أكثر صعوبة. وسنناقش تحديات استخدام هاتين الخدمتين الرئيستين، ومتطلبات مرونة التعامل معهما فيما يلي، من خلال المحاور الأربعة سابقة الذكر التي تشمل كلا من المحور البشري، والمحور المهني، والمحور التشريعي، والمحور التقني.
إذا بدأنا بالمحور البشري، في إطار خدمة العمل عن بعد، لوجدنا أن تنفيذ هذه الخدمة من أجل النشاطات المعلوماتية القائمة في شتى المجالات، يحمل مشكلة اختراق العادات البشرية، أي ما تعود عليه العاملون عبر السنين. ويؤدي هذا الأمر إلى معارضة كثير من هؤلاء لتبني هذه الخدمة، خصوصا أبناء الجيل الأقدم من العاملين، وهؤلاء هم الأعلى منصبا والأقدر على فرض إرادتهم. وفي إطار المحور المهني، تشمل مثل هذه المعارضة شتى المهن، بما يمثل نطاقا عريضا من العاملين. ويأتي المحور التشريعي داعما لذلك، لأن كثيرا من المؤسسات تقيم العاملين فيها على أساس الحضور الشخصي إلى مكان العمل في أوقات الدوام الرسمي قبل أي عامل آخر. ثم يبرز المحور التقني في مصلحة هذا الأمر عندما يكون العاملون غير مؤهلين تقنيا للعمل عن بعد.
وإذا انتقلنا إلى خدمة الذكاء الاصطناعي، لوجدنا الأمر أكثر تعقيدا، فالمحور البشري يلقى تحديا وجوديا، ويشمل هذا التحدي عددا من المهن في إطار المحور المهني. ويضاف إلى ذلك تحدي المحور التشريعي، حيث إن عمل الذكاء الاصطناعي في مختلف المهن مستحدث تماما، ويحتاج إلى تشريعات تنظيمية جديدة. وفي إطار المحور التقني، فإن تقنية الذكاء الاصطناعي في تطور يعطيها إمكانات متزايدة تتطلب، ليس فقط تأهيلا تقليديا، بل تأهيلا يهتم بتنمية التفكير، ويعتمد على التعلم مدى الحياة، وإدراك المستجدات.
تحتاج تحديات خدمتي العمل عن بعد والذكاء الاصطناعي إلى منهجية المرونة في التعامل معهما. فالغاية المنشودة هي الاستفادة القصوى من التقنية الرقمية وتفعيل ذلك اقتصاديا واجتماعيا. ولمنهجية المرونة، في هذا الإطار، أمران رئيسان. أولهما، دراسة كل من هاتين الخدمتين بكل أبعادهما، وإدراك مضامينهما واختلافاتهما، وفهم البيئة المحيطة بهما، عبر المحاور الأربعة سابقة الذكر، أي بشريا ومهنيا وتشريعيا وتقنيا، أو ربما أي أسلوب مهيكل آخر. أما الأمر الثاني فينطلق من الأول، مستوعبا ما قدمه، ومتوجها نحو وضع الحلول الملائمة، التي تتكيف المتطلبات وتستجيب لها، من أجل تحقيق الغاية المنشودة في الاستفادة المثلى من التقنية الرقمية.
وإذا نظرنا من حولنا، في المملكة، لوجدنا أن توجهها نحو التحول الرقمي بدأ منذ عقدين من الزمن بالخطة الوطنية لتقنية المعلومات، والمشاركة الفاعلة في قمة المعلومات عامي 2003 و2005. وتعزز هذا التوجه برؤية المملكة 2030 وخطط المؤسسات والهيئات المرتبطة بالتقنية الرقمية. وقد حققت المملكة تميزا مشهودا على المستوى الدولي في الخدمات الإلكترونية، وأسهمت في إنشاء منظمة التعاون الرقمي الدولي من خلال جهودها في رئاسة قمة العشرين في 2020. ولعل هذا المقال وما سبقه يسهمان في التوعية بشأن تفعيل مسيرة التحول الرقمي نحو بناء مجتمع رقمي معزز باقتصاد رقمي معطاء.