المقالات
لن تصبح بريطانيا قوة علمية عظمى .. ما الذي ينقصها؟
ترى مفارقة هانز مورافيك، وهي ملاحظة يحبها تكنولوجيون كثر، أن ما هو سهل على الروبوتات صعب على البشر والعكس صحيح.
جون ثورنهيل من لندن
FINANCIAL TIMES
الأربعاء,9 أغسطس 2023 - 08:35 ص
مشاهدات: 101
لذلك، مثلا، يمكن لجهاز الكمبيوتر بسهولة أن يتغلب على أقوى اللاعبين البشريين في الشطرنج. لكن تلك الآلة نفسها لم تستطع تحريك القطع على اللوحة، وهي مهمة تافهة لطفل يبلغ من العمر خمسة أعوام.
يوجد تكامل مشابه بين القطاعين العام والخاص في اقتصاد مزدهر. تحدد الحكومات الأولويات الوطنية، وتحشد الموارد، وتنشئ البنية التحتية، وتساعد على رعاية السكان المتعلمين وذوي الصحة الجيدة والمتنقلين. كما توفر الشركات الخاصة ديناميكية ريادة الأعمال، وتستثمر في فرص السوق وتكنولوجياتها الجديدة لتعزيز إنتاجية الاقتصاد. قد يكره الاقتصاديون الأصوليون التشبيه الزراعي، لكن الحكومات تجهز التربة والسماد العضوي، بينما تقدم الشركات البذور والمغذيات.
تكمن مشكلة الاقتصاد البريطاني في أنه بدلا من زراعة الزهور الجميلة، يعمل البلد على زيادة نمو الأعشاب الضارة. بدلا من إظهار القدرات التكميلية، يعاني القطاعان العام والخاص الأمراض نفسها: قصر المدى، والجمود الإداري، وضعف الإنتاجية، والإحجام عن الاستثمار. وعلى مدى الأعوام السبعة الماضية، فرض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تكاليف إضافية ضخمة ملهية على كلا القطاعين.
لقد عزز كل ذلك سردية بريطانيا المحطمة، والانطباع بأن لم يعد هناك شيء ينجح حقا. فشل نظام الرعاية الصحية في علاج مرضى كثر بسرعة (بقي نحو 7.5 مليون شخص على قائمة الانتظار في خدمة الصحة الوطنية في أيار)، ونظام العدالة لا يحقق العدالة (ضع في حسبانك سوء المعاملة الفظيع لمديري مكاتب البريد الفرعية ممن أدينوا ظلما).
في الوقت نفسه، تضخ شركات المياه التابعة للقطاع الخاص مياه الصرف الصحي في أنهارنا (تتمتع 14 في المائة فقط من الممرات المائية في إنجلترا "بوضع بيئي جيد" وفقا لتقرير برلماني نشر في 2022) بينما يفشل الحي المالي في لندن في دوره الأساسي المتمثل في توفير رأسمال نمو للشركات الجديدة.
تكشفت أسباب هذا الشعور بالضيق الشهر الماضي في مؤتمر ماتع غير حزبي تديره منظمة سيفيك فيوتشر، وهي منظمة غير ربحية تأسست العام الماضي للمساعدة على تدريب جيل جديد من القادة لتحسين الحياة العامة.
من المفارقات، أن أحد أكثر التصورات تفاؤلا بشأن بريطانيا قدمه الاقتصادي الأمريكي تايلر كوين، مؤلف كتاب بعنوان "الركود العظيم" الذي ألهم الحدث. أشار إلى أن المملكة المتحدة في وضع جيد للاستفادة من ثلاثة تحولات قد تكون على وشك تعزيز الإنتاجية العالمية: وهي ثورة الطب الحيوي، وانتشار الذكاء الاصطناعي، والتحول إلى الطاقة النظيفة.
جادل كوين أن عددا قليلا فقط من الأماكن في العالم يمكنها أخذ أفكار بحثية جديدة في هذه المجالات وتحويلها إلى أعمال ناجحة. وقال: إنه بفضل جامعاتها ذات المستوى العالمي ورأس المال البشري الثري وخبرة رأس المال المغامر، فإن "جنوب شرق إنجلترا واحد من هذه الأماكن".
إن مجموعة القدرات العقلية في مثلث لندن وأكسفورد وكامبريدج - التي تشمل شركة جوجل ديب مايند لأبحاث الذكاء الاصطناعي، ومركز فرانسيس كريك للبحوث الطبية الحيوية، وأربع من أفضل عشر جامعات في العالم - أمر مثير للإعجاب. وكانت هناك بعض الأمثلة الرائعة على عمل القطاعين العام والخاص معا بشكل جيد في بريطانيا: وهي التوسع في صناعة توربينات الرياح البحرية والتطوير السريع للقاح كوفيد من جامعة أوكسفورد، على سبيل المثال لا الحصر.
لكن ما كان لافتا للنظر في مؤتمر "سيفيك فيوتشر" هو الإحباط الشديد الذي شعر به كثير من المشاركين البريطانيين بسبب عجز الحكومات المتعاقبة عن المساعدة في تحقيق هذه الإمكانات الاقتصادية. بدلا من الانغماس في الخطاب المبالغ فيه حول تحويل بريطانيا إلى قوة علمية عظمى، كان على صانعي السياسات التركيز على تحسين أداء الاقتصاد الأساسي. وقد تردد صدى هذا الرأي في تقرير دامغ نشر الأسبوع الماضي من مؤسسة ريفورم الفكرية، الذي يجادل بأن بريطانيا ظلت فترة طويلة للغاية تستر نموذج اجتماعي واقتصادي عفا عليه الزمن دون إصلاحه.
إن الاعتقاد بأن الحكومة البريطانية ومستثمري الحي المالي يتشاركون الرؤية الاستراتيجية لبناء صناعات متقدمة تتفوق على العالم بالطريقة التي ساعدت بها الحكومات التايوانية والكورية الجنوبية والسنغافورية، هو تخيل قدرة مؤسسية غير موجودة. سيتطلب ذلك حقبة أكثر إبداعا من التجديد الوطني لضمان التكامل الحقيقي بين القطاعين العام والخاص.
مع ذلك، لا ينبغي أن يكون الأمر أبعد من ذكاء حكومة المحافظين الأخيرة لتحقيق بعض الطموحات الصغيرة، ولكن المفيدة، للمساعدة على إصلاح بريطانيا المحطمة: وهي بناء أكثر، وتوسيع نطاق توفير رعاية أطفال ميسورة التكلفة، وتشجيع مزيد من استثمار الأعمال التجارية والقطاع العام. بدلا من فعل الأمور الذكية بشكل سيء، يجب على الأقل أن تسعى جاهدة لفعل الأمور البسيطة بشكل جيد.