المقالات
القواعد التنظيمية والعملات المشفرة
عندما سافر ماركو بولو التاجر الفينيسي، عبر طريق الحرير في القرن الـ13، لم يصادف شعوبا غير مألوفة فحسب، بل تعرف أيضا على أشكال جديدة "بالنسبة له" من التمويل. وفي الصين، صدم عندما علم أن "كوبلاي خان" قد ابتكر النقود الورقية. وكانت هذه النقود أخف وأسهل من ناحية النقل والتخزين، وأكثر قيمة من العملات المعدنية التي كان يضعها في محفظته. وبعد عودته إلى البندقية، علم ماركو بولو زملاءه التجار كيف يستخدمون الأوراق التي ابتكرها خان. ومع أن البعض رفض تلك العملة المسطحة القابلة للطي، بحجة أنها ليست ذهبا ولن تكون كذلك أبدا، إلا أن النقود الورقية ستغير العالم منذ ذلك الحين.
كوراي كاليسكان
الاقتصادية
الإثنين,4 سبتمبر 2023 - 02:50 ص
مشاهدات: 380
وعلى غرار تجار القرن الـ13 العنيدين، يرفض كثيرون اليوم قبول أحدث شكل من أشكال المال: العملة المشفرة، إذ في الآونة الأخيرة، رفعت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC دعاوى قضائية على Binance "باينانس"، وCoinbase "كوين بيز"، وهما أكبر بورصتين للعملات المشفرة في العالم، بتهمة أنهما بورصتان ماليتان غير مسجلتين. ومنذ أعوام عديدة، وشركة كوين بيز، وهي شركة مساهمة عامة تتمتع بقاعدة كبيرة من العملاء في الولايات المتحدة، تطالب الجهات التنظيمية الأمريكية بوضع قواعد معقولة، لكن دون جدوى.
بدلا من ذلك، كانت الوكالات الحكومية مرتبكة بخصوص تعريف العملات المشفرة، وفي الأغلب ما تقدم وجهات نظر متضاربة، إذ تعرف لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، العملة المشفرة على أنها أصل يستخدم مثلما تستخدم الأوراق المالية، بينما ترى لجنة تداول السلع الآجلة CFTC، أنها سلعة من السلع الأساسية.
من ناحية أخرى، تتعامل دائرة الإيرادات الداخلية IRS معها على أنها ملكية. وفي سيناريو يشبه حكاية العميان والفيل، يرى كل منهم جانبا واحدا فقط ويعتقد أنه الصورة كلها، ويحول هذا النقص الواضح في الفهم دون وضع قوانين تنظيمية فعالة.
لنكن واضحين: إن العملة المشفرة ليست أموالا رقمية. فقد تمت رقمنة جميع العملات المعدنية والورقية لمدة نصف قرن ـ حسابك المصرفي هو أحد الأصول الرقمية.
من ناحية أخرى، تحول العملات المشفرة الحق الحصري في إرسال البيانات إلى قيمة نقدية باستخدام تقنية محاسبة جديدة تسمى blockchain "بلوكتشين". فعند تحويل Avax "أفاكس" أو Ethereum "إذيريوم" إلى شخص آخر، يرسل حق نقل البيانات من موقع إلى آخر، وتسجل هذه المعاملة على "بلوكتشين" دون الحاجة إلى بنك أو دولة، ويقوم المحاسبون، الذين يطلق عليهم أيضا عمال المناجم، بمسك الدفاتر مقابل العملات المشفرة.
إن التعرف على هذه الأموال الجديدة جذريا وتدقيق الحسابات هما الخطوة الأولى في تنظيم أسواق العملات المشفرة.
ولكن بما أن لجنة الأوراق المالية والبورصات، ولجنة تداول السلع الآجلة، ودائرة الإيرادات الداخلية، والمؤسسات المماثلة في دول أخرى مصممة للعملة الورقية ونسخها الرقمية، فقد كافحت من أجل التكيف مع واقع اقتصادات أموال البيانات. ودون تحول عميق في التفكير في النظام المالي، لن يكون أي تنظيم مناسبا للغرض
يعتقد عديد من صانعي السياسات خطأ أن العملات المشفرة وسيلة للمضاربة. لكن هذا التفكير يتجاهل الابتكار الثوري الذي توفره تقنية "بلوكتشين"، فهي تمكن الجهات الفاعلة الاقتصادية من جني أموالها وإجراء معاملاتها بأقل تكلفة. ويجري تبادل الآلاف من العملات المشفرة مقابل السلع والخدمات والعملات "المشفرة" الأخرى من جانب الحكومات والشركات والأفراد في أكثر من 45 ألف سوق، تديرها 524 منصة تبادل مركزية.
يجب أن يفهم المنظمون أربعة أشياء تتعلق بالعملات المشفرة، أولها أنها ليست بديلا للدولار أو اليورو أو العملات الورقية الأخرى، فالواقع أن بحثي أظهر أن العملات المشفرة تسهم في الدولرة. ثانيا، تعمل بورصات العملات المشفرة على تقويض سلاسل الكتل باستخدام مسك الدفاتر المركزي الخاص بها، فقد تم الاحتفاظ بأكثر من 90 في المائة من عملة "بيتكوين" المتداولة في 2021 كأصول خاضعة للوصاية في البورصات. وهذا يعني أنه إذا انهارت الأسواق، سيخسر العملاء أموالهم. ثالثا، تعتمد عديد من سلاسل الكتل اللامركزية على خدمات اقتصادية مركزية، مثل تدقيق الحسابات في مجال تجارة السلع الأساسية. إن التشفير هو ابتكار يوجد النظام، وليس الفوضى. والنقطة الأخيرة هي أن أشكالا مختلفة من المنطق المالي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الاقتصادات المشفرة بالفعل، ما يجعلها ملاءمة للتنظيم بدرجة تجاوزت توقعات كثير من الناس.
أما فيما يتعلق بكيفية تنظيم الصناعة، فإن العملة الرقمية للبنك المركزي CBDC لها أهمية حاسمة، لأنها ستزود الحكومات بأداة مالية تتطابق سرعة معاملاتها مع سرعة المعاملات في العملات المشفرة. وفي الوقت الحالي، تعد العملات المستقرة بعيدة عن متناول البنوك المركزية، حيث تقلد العملات الورقية مثل الدولار دون تحمل التكاليف السياسية والاقتصادية لصيانة العملات الورقية. وفضلا على ذلك، سيكون من الأسهل تنظيم عمليات التبادل من خلال تتبع قيمة العملة المشفرة بمجرد إمكانية التصريح عنها والتعامل بها استنادا إلى العملة الرقمية للبنك المركزي.
قبل كل شيء، يجب على الهيئات التنظيمية ضمان تكافؤ الفرص. وهذا يعني منع منصات البورصة من إصدار أموال البيانات الخاصة بها أو أصول العملات المشفرة القابلة للتداول، وإلا فستتنافس على منصاتها الخاصة. وينبغي أيضا مطالبة بورصات العملات المشفرة بالاحتفاظ بجميع الأصول الخاضعة للوصاية بعيدا عن متناول متداوليها أو أصحابها، وهو إجراء تنظيمي بسيط كان من شأنه أن يحمي استثمارات العملاء بعد انهيار FTX "إف تي إكس".
ختاما، يمكن للسلطات الضريبية استخدام العملات الرقمية المشفرة لتحديد مزيد من المعاملات الخاضعة للضريبة واقتراح ضريبة جديدة على دخل العملات المشفرة، ومن ثم زيادة الإيرادات.
في الوقت الحالي، ما زال صانعو السياسات يتصرفون مثل هؤلاء التجار العنيدين في البندقية. والمشكلة ليست في العملات المشفرة، بل في تنظيمها. لقد حان الوقت لتقبل فكرة أن العملات المشفرة باقية وستستمر، ولوضع القواعد الصحيحة لتنظيمها.