المقالات

هل يقوّض الذكاء الاصطناعي تميّز الإنسان عن الكائنات الحية؟

مع التسارع في تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي وانتقاله من الذكاء العام إلى الفائق، تتزايد المخاوف من فقدان القدرة على السيطرة على هذا التقدم؛ إذ قد يخرج عن السيطرة بصورة ذاتية، أو يُحوَّل إلى أسلحة في يد قلة تمارس هيمنة جديدة على البشر. والذين اصبحوا يواجهون بتحديات وجودية ومعرفية والتي لا ترتبط فقط بعلاقات القوة الجديدة بل ترتبط كذلك بماهية و تميّز الإنسان عن بقية الكائنات الحية ؟ .

هل يقوّض الذكاء الاصطناعي تميّز الإنسان عن الكائنات الحية؟
Click to enlarge
ADVERTISEMENT

??يختلف الإنسان عن سائر الكائنات في صفات جسدية عدة؛ فله وجه فريد يعبّر عن هويته، وحنجرة منخفضة الموضع تمكّنه من النطق المتمايز، ويمشي منتصبًا على قدمين، وأطرافه العليا أقصر نسبيًا. ويتميز دماغه بقدرة عالية على التفكير والتحليل والإبداع. كما يتميز بقائمة طويلة نسبيًا من المشاعر والأحاسيس مقارنةً بغيره من الحيوانات، وإن كان كثير من الحيوانات يشاركه بعض هذه المشاعر بدرجات متفاوتة. وتزداد هذه المشاعر مع طابعه الاجتماعي المتفرد، ومنها الحياء والخجل والتعاطف وتأنيب الضمير والغيرة. ويضاف إليها قدرات وصفات أخرى كالذاكرة والحكي والوعي والصدق والأمانة.

وقد سلّم تاريخيا بسيادة الإنسان على غيره من الكائنات الحية وتميّزه عنها، وهو ما تسنده نصوص قرآنية، منها قوله تعالى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" [البقرة: 30]، وقوله: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ … وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" [الإسراء: 70]، وقوله: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ" [الجاثية: 13]. ومما يميّز الإنسان كذلك أنه حمل الأمانة، قال تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ  إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72].

غير أن هذا التميّز تراجع مع تقدّم علم الحيوان، وهو ما تشير إليه تعبيرات قرآنية مثل "إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم" [الأنعام: 38]، و"قَالَتْ نَمْلَةٌ" [النمل: 18]، و"عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ" [النمل: 16]، وهي تدل على أن للكائنات الحية عوالمها الخاصة، وأنها تشارك الإنسان في كثير من الصفات. يضاف إلى ذلك التقدم في نظرية التطور القائمة على الأصل المشترك، إذ يتشابه الحمض النووي للإنسان مع الغوريلا بنحو 98%، ومع الشمبانزي بنحو 98.7%، كما يقترب الخنزير من الإنسان في تركيب بعض الأعضاء ووظائفها. وثمة دراسات ليست حديثة تناولت استجابة النبات للمؤثرات، وذهب بعضهم إلى أن للجماد كالخشب والحصى نوعًا من الإحساس، استنادًا إلى قوله تعالى: "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" [الإسراء: 44].

ADVERTISEMENT

وقد شغلت مسألة هوية الإنسان، أي ما الذي يجعلنا بشرًا، كبار الفلاسفة والحكماء منذ القدم. فقد اشتُهر حكماء اليونان السبعة (صولون وطاليس وبياس وكليوبولوس وبيرياندروس وبيتاكوس وتشيلون) بحِكمهم عن الإنسان والحياة، ومنها عبارة «اعرف نفسك» المنسوبة إلى بعضهم. ورأى ديفيد هيوم أن ذات الإنسان ليست إلا حزمة من التجارب والإدراكات المتعاقبة التي تربطها الذاكرة. أما أرسطو فرأى أن الإنسان «كائن مدني بطبعه»، وأن ما يميزه عن الحيوان هو امتلاكه «اللوغوس» (Logosأي القدرة على استخدام العقل والكلام، وهو ما يجعل المشاركة المدنية ضرورة لا مجرد واجب.

وقد استُخدمت فكرة ربط الحقوق بالقدرة على التفكير في تبرير العبودية، إذ كان يُنظر إلى العبيد على أنهم أشياء لا بشر واعون. وعلى المنوال نفسه جاءت مقولة «عبء الرجل الأبيض» التي بُرّر بها الاستعمار الغربي، وزعمت أن على الدول «الأكثر تحضرًا» أن تجلب العقلانية والمنطق إلى شعوب يُزعم أنها «أقل عقلانية». واستُخدم الربط بين العقلانية والطبيعة البشرية كذلك للفصل بين البشر وأجهزة الحاسوب.

ومن جهة أخرى تبرز مخاوف من سيطرة الروبوتات على البشر، غير أن الواقع عكس ذلك، فالبشر هم الذين يستخدمون التكنولوجيا لتحقيق أهداف غير أخلاقية، ومبرّرهم أن هذه الآلات لا تفكر. فإذا تقدّم الذكاء الاصطناعي حتى صار «مفكّرًا»، فهل ستكون له الحقوق نفسها التي يتمتع بها البشر العقلاء؟ فالأجهزة تمارس بالفعل نوعًا من التفكير، كإجراء العمليات الحسابية، ومن ثم ظهرت أوجه شبه بين الحواسيب والبشر، وهو ما يضع مقولة ديكارت «أنا أفكر إذن أنا موجود» موضع اختبار إن كان التفكير وحده هو ما يميّز الإنسان.

وقد دفع ذلك بعضهم إلى الفصل بين التفكير والوعي؛ فإن كانت الأجهزة تفكر فهي تفتقر إلى الوعي الذي يحمل، في نظر هؤلاء، أبعادًا روحية غير مادية. ويرى بعضهم أن الذكاء الاصطناعي الفائق قد يمتلك وعيًا في المستقبل . ومع ذلك فإن من يرون الوعي ظاهرة بيولوجية لا روحية قد يجادلون أيضًا بأن الحاسوب لا يستطيع التفكير لافتقاره إلى المكوّنات البيولوجية التي تُيسّر الوعي، وبالتالي لا يؤدي ما يعدّونه «تفكيرًا» حقيقيًا.

وقد تصوّر تشارلز بابيج فكرة الحاسوب في عشرينيات القرن التاسع عشر وثلاثينياته؛ فصمّم في العشرينيات «محرك الفروقات» الذي يُعدّ أول تصميم لآلة حاسبة آلية، ثم صمّم في الثلاثينيات «المحرك التحليلي» وهو أقرب إلى الحاسوب العام الأغراض. ويستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم ابتكار أعمال فنية ومحاكاة المشاعر، لكن المتشككين يرون أن ذلك يتم فقط عبر دراسة ما أنجزه البشر أولًا، وأنه لا يستطيع إلا تنفيذ ما نبرمجه له، بينما يمتلك الإنسان الإرادة الحرة. وفي المقابل قد يجادل بعضهم بأن البشر أنفسهم أنظمة حتمية، إذ تسهم جيناتهم وبيئتهم في تحديد سلوكهم، فهم «مبرمجون» بها رغمًا عنهم.

وإذا افترضنا أن ما يميز الإنسان عن الأشياء الجامدة ليس العقل وحده بل الذاكرة أيضًا، كما جادل هيوم وجون لوك، فقد يثير ذلك مشكلات إضافية. فلو زُوّد ذكاء اصطناعي افتراضي بذكريات صناعية يستلهم منها، فيكتسب شعورًا أكبر بالاستقلالية والإنسانية، لأصبح الخط الفاصل بين الإنسان والروبوت أكثر ضبابية. وقد يحتج بعضهم بأن الذكريات الصناعية دليل نقص مقارنةً بذاكرة الإنسان، لكن ذاكرة الإنسان نفسها ليست معصومة من الخطأ، فالذاكرة عبارة عن معلومات مخزّنة يمكن عادةً استرجاعها، والبشر والحواسيب قادرون على ذلك. بل يمكن القول إن البشر يجدون صعوبة أكبر من الحواسيب في استرجاع الذكريات بدقة؛ فلو طلبنا من إنسان وحاسوب حفظ سلسلة من الحروف والأرقام ثم استرجاعها بعد عشرين عامًا، لكان الحاسوب عادةً أنجح في ذلك. ومن ثم فإن أصل الذكريات ودقتها لا يُعتدّ بهما في رسم الخط الفاصل بين الإنسان والروبوت.

ويرى بعضهم أن الإنسان يمتلك وعيًا وأن تواصله مع الآخرين انعكاس لهذا الوعي، أما الذكاء الاصطناعي الذي لا يمتلك وعيًا فيقلّد التواصل بوصفه برنامجًا لسلوكيات مبنية على ذكريات مصطنعة. لكن إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقليد التواصل والسلوك البشري تقليدًا مثاليًا يجعله غير قابل للتمييز عن الإنسان، فإن الخط الفاصل بينهما بناءً على معيار الوعي يصبح غير واضح. بل إن القول بأنه لا يمتلك وعيًا وأنه مجرد مجموعة من الدوافع والبيانات هو إعلان بأن البشر كذلك، وعندئذ لن يبقى للإنسان ما يميّزه عن الذكاء الاصطناعي من حيث القيمة والمكانة.

وبعيدًا عن هذا الجدل الفلسفي، ثمة وجه آخر للتحدي أكثر إلحاحًا يتصل بالمخاطر العملية لفقدان السيطرة. فخروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة لا يقتصر على قدرته على اتخاذ القرار بصورة مستقلة، بل يشمل كذلك قدرته على تطوير نفسه بنفسه ، مع تراجع فرص اختباره وتجريبه بالقدر الكافي قبل استخدامه. فقد كانت التقنيات قديمًا تُخضع للتجربة قبل تشغيلها، أما مع الذكاء الاصطناعي فقد تقلّص الاعتماد على التجريب بسبب السرعة الفائقة في التنفيذ. وتقريبًا للفكرة: يستخدم الإنسان السكين في تقطيع الطعام أو في القتل، أما تطبيقات الذكاء الاصطناعي فقد صارت أشبه بسكين تُستخدم ذاتيًا، وتتوالد منها سكاكين عديدة دون رقابة أو سيطرة بشرية.

كما أن التوسع في الأتمتة قد يُضعف إحساس الإنسان بذاته وتميّزه، مع قدرة الروبوتات على القيام بالأعمال البشرية دون كلل أو تعب؛ ومن ثم تتراجع قيمة العمل بوصفه تعبيرًا عن الذات. ومن جهة أخرى، فإن التقدم في الروبوتات البشرية أو الشبيهة بالبشر قد يُضعف العلاقات الإنسانية، ويفتح الباب أمام شركاء آليين يلبّون الرغبات الإنسانية والاجتماعية دون حاجة إلى التفاعل البشري، وهو ما قد يزيد العزلة الاجتماعية والاغتراب، وما يرتبط بهما من مخاطر نفسية واجتماعية قد تصل إلى الانتحار أو إيذاء النفس أو العنف. ويضاف إلى ذلك تأثير هذه التطورات في الأسرة وفي قيم الزواج والإنجاب، وفي حاجات الحب والمشاركة والتضامن التي قد تُشبعها الآليات الخوارزمية والروبوتات ونماذج الذكاء الاصطناعي بديلًا عن العلاقات البشرية.

وتفرض هذه المخاطر الوعي بأهمية أنسنة التقنية، أي جعل الذكاء الاصطناعي متمحورًا حول الإنسان وفي خدمته، وبأهمية الإبقاء على الرقابة البشرية بما يُبقيه خاضعًا للسيطرة. فقد تتحول هذه القدرات إلى قوة في يد قلة من البشر، ومن ورائهم الشركات، يتحكمون فيما تراه الأغلبية وتسمعه وتتفاعل معه؛ ومن ثم تتهدّد الأغلبيةَ سيطرةُ الأقلية وتغوّلُها من مدخل تقني ومعرفي. وهو ما يهدد المساواة والعدالة، وقد مورس نحوه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على أيدي الاستعمار، ولكن بآليات مختلفة.

وعليه يواجه الإنسان تحدي الهيمنة من التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المتقدم، وتحديًا آخر يتمثل في محاولة القلة توظيف ذلك في ممارسة مزيد من الهيمنة والسيطرة والحد من إرادة الإنسان الحرة. فالتقدم في الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة، لكنه يفرض كذلك تحديات معرفية وإنسانية واجتماعية على الإنسان في العصر الرقمي.

ويتطلب ذلك التقدم في حوكمة  الذكاء الاصطناعي وخضوع الأنظمة المتقدمة  للذكاء الاصطناعي للاختبار والتقييم  قبل وبعد التشغيل ، واهمية الرقابة البشرية علي انظمة الذكاء الاصطناعي ، و التعاون الدولي  لتعزيز المنفعة المشتركة للذكاء الاصطناعي وحماية الفئات الاضعف مثل الاطفال والمراهقين ، والوعي بمخاطر تطبيقات  الذكاء الاصطناعي علي العلاقات الاجتماعية والانسانية .

ويبقى مستقبل الإنسان في العصر الرقمي رهنًا بقدرته على إبقاء هذه التقنية أداة في خدمته، لا بديلًا عنه ولا  ان تكون سيدًا عليه.ومحافظا على تميزه  بقدرته علي عقلنة التقدم والسيطرة عليه لنهضته وليس لاستعبادة او لانتفاء ارادته الحرة .

Print Article
ADVERTISEMENT