الأخبار
الذكاء الاصطناعي واحياء الذاكرة الوطنية
جريدة الاهرام 21 اكتوبر 2026
الأربعاء,21 أكتوبر 2026 - 12:47 م
مشاهدات: 15
بعد مرور ثلاثة وخمسين عامًا على نصر أكتوبر، ما زالت الذاكرة الوطنية تتجدد وتنتقل من جيل إلى جيل، لكن بأدوات مختلفة. فقد انتقل توثيق الحدث من أروقة المتاحف وسجلات الأرشيف الوطنى إلى المنصات الرقمية، وارتبط ذلك بمسار تطور التوثيق التاريخي، الذى بدأ منذ اختراع الكتابة والورق والطباعة، مرّورا بالراديو والكاسيت والتليفزيون، ثم الإنترنت وتطبيقاته، والتى أصبح من ضمنها حديثا تطبيقات الذكاء الاصطناعى التوليدي.
وأحدثت ليس فقط تغيرا فى طريقة عرض التاريخ بل كذلك فى ماهية وكيفية من يستطيع إنتاج الذاكرة الوطنية ونشرها، والحافظ عليها وقد تصاعد توظيف الذكاء الاصطناعى فى إحياء الذكرى السنوية لنصر أكتوبر، وذلك من خلال إعادة تقديم الأحداث التاريخية، وترميم الصور القديمة وتحريكها، وتحليل الوثائق وربط المعلومات المتفرقة، وإنتاج وسائل تعليمية تفاعلية ومشاهد تحاكى الحرب، وصور وأصوات وملامح لشخصيات تاريخية تظهر فى مقاطع تبدو واقعية.
وأتاحت البيئة الرقمية دخول فاعلين جدد إلى المجال الثقافي، ومن ثم لم يعد إنتاج التوثيق حكرًا على المؤسسات التقليدية، التى تتنوع ما بين كتب ومذكرات عسكرية وشهادات وصور أرشيفية وأفلام وثائقية،ولكن فى ظل هذا التطور بات المستخدم بشكل فردى او عبر الانضمام الى عمل جماعى فى القيام بالتفاعل، سواء عبر إنشاء صورة أو مقطع قصير والذى يستلهم فيه دروس وتجارب الحدث التاريخي، ويشاركه مع متابعيه،وهو الأمر الذى يجعله مساهما بشكل مباشر فى إحياء الذاكرة الوطنية. وتميزت تلك التفاعلات غير الرسمية بإنتاج محتوى جمع بين روح الفكاهة المصرية والبعد الوطنى فى الطرح وتميزه باتساع حجم انتشاره، وتأثيره بين مستخدمى الشبكات الاجتماعية فى الداخل والخارج، وتعيد تلك الجهود إلى الأذهان مدى حرص المصرى القديم على تدوين انتصاراته على جدران المعابد وأوراق البردي، لتكون شاهدًا يحفظ ذاكرته وهويته، وما يكشفه من رسالة جاهزة و مستمرة إلى الأعداء، سواء الحقيقيون أوالمحتملون. وهو ما يكشف عن أنماط توظيف المصريين للذكاء الاصطناعى فى دعم الرواية الوطنية ومساندة جهود مؤسسات الدولة فى تعزيز الانتماء والوعى خاصة بين الأجيال الشابة، وتقديم محتوى تاريخى قصير لهم، ولكنه مؤثر وجذاب وهو الذى تستهلكه تلك الفئات. والتى لا تميل إلى مشاهدة الأفلام الوثائقية الطويلة.
ورغم ذلك لا يعنى الانتشار الواسع للمحتوى المولد عبر توظيف الذكاء الاصطناعى بالضرورة دقة المعرفة التاريخية. فقد تتحول على نحو آخر إلى مصدر للمعلومات الخاطئة، كأن تُظهر زيًّا عسكريًا أو معدات وأسلحة لا تطابق الواقع.
من جهة أخرى فقد يؤثر تراكم المحتوى «المولد» وسرعة وكثافة انتشاره سلبا على تأثير الرواية الرسمية وتقديم ذلك، باعتباره وثيقة أصلية، وتكوين ذاكرة وطنية تعتمد على الإبهار البصرى على حساب جودة ومصداقية المعلومات، ويتم ذلك حين تتقدم الصورة المبهرة على المصدر الموثوق، وبما يضفى صعوبة فى التمييز بين ما حدث فعلًا وما أنتجته الخوارزميات ،ويتم ذلك خاصة بين هؤلاء الذين لا يستطيعون الوصول الى المصادر الرسمية.
وتوفر وزارة الدفاع المصرية عبر موقعها الرسمى مواد ووثائق عن حرب أكتوبر تشمل مراحل إدارة العمليات، ومذكرات القادة، ووثائق التخطيط العسكرى وغيرها، وتمثل هذه المواد نقطة انطلاق لأى مشروع يسعى إلى إعادة رقمنة الوثائق وربطها بنموذج وطنى للذكاء الاصطناعى وبما يحافظ على تأثير المصادر التاريخية الرسمية.
وتقتضى مواجهة التزييف العميق عبر الذكاء الاصطناعي، وضع قواعد واضحة، تتمثل فى وضع علامة مائية على المحتوى المولّد، وتجنب نشر مواد توهم بأنها تسجيلات أصلية، وإخضاع المحتوى لمراجعة للخبراء فى المجال العسكرى والتاريخي، وأهمية توضيح الفرق بين الصورة الأرشيفية والصورة المولّدة، وتطوير قواعد للتحقق بشكل يعمل على مواكبة سرعة انتشار محتوى الذكاء الاصطناعي.
ويتطلب التوثيق التاريخى المسئول للذكاء الاصطناعى أهمية الاستفادة العلمية من التقنية فى إحياء الذاكرة الوطنية، ومن ثم تصبح حماية الذاكرة الوطنية مسئولية مشتركة بين الفرد والمجتمع والدولة والتى تفرض تعاونًا فى مجال التوثيق، وإتاحة المصادر الأصلية، والتحقق من المحتوى قبل النشر من قبل المستخدمين.
ويأتى إلى جانب ذلك خطورة الاعتماد على نماذج ذكاء اصطناعى لغوية أجنبية فى قراءة الذات والتاريخ ومن هنا تبرز أهمية الجهد الذى تقوده الدولة لتعزيز السيادة الرقمية، والتى منها تطوير البنية التحتية الرقمية.وتدشين مراكز بيانات وطنية ورقمنة التراث والوثائق والمتاحف، وتحديث دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية وغيرها وأهمية دور ذلك فى تنمية الوعى خاصة بين الشباب والذى يعد ركيزة مهمة لمواجهة عالم اللايقين والحافظ على مرونة وصمود المجتمع المصرى فى مواجهة الأزمات والتحديات من جهة، وتعزيز فرص الاستحواذ على القوة المعرفية فى العصر الرقمى من جهة اخري.
وعلاقة ذلك بتصاعد دور الذكاء الاصطناعى فى إنتاج السرديات الوطنية، وانتقال حماية التاريخ من حفظ الوثائق إلى حماية الوعى الفردى والجمعى من مخاطر التضليل والتشويه والاختراق للذاكرة الوطنية، وأهمية امتلاك القدرات العلمية والتقنية للتأثير فى العقول والقلوب، ومن أجل دعم دور ذلك الايجابى فى تقديم قراءة دروس التاريخ، وبدورها كنبراس ملهم للاجيال الحالية والقادمة لفهم الماضى والحاضر ولتكون كذلك بمنزلة، وقود مستدام للدفع نحو المستقبل والذى سيغير من وتيرته من يملك مقدرات الذكاء الاصطناعي..