الأخبار
الولايات المتحدة تجمد طلبات شركات التقنية لجلب المهندسين من الخارج
الخميس,8 أكتوبر 2026 - 04:47 م
مشاهدات: 177
دخلت السياسة الأمريكية تجاه العمالة الأجنبية الماهرة مرحلة أشد حدّة يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، حين أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب وقف التعامل مع طلبات إقامة دائمة تقدمها شركات تقنية كبرى، وفتحت في اليوم نفسه تحقيقات مع تسع جامعات مرموقة. وتقول الإدارة إن الهدف هو مكافحة الاحتيال وحماية الوظائف الأمريكية، بينما ترى الشركات المعنية أن ممارساتها قانونية وأن الصورة المقدَّمة عنها ناقصة.
ما الذي أُعلن بالضبط؟
يتعلق القرار بما يُعرف بـ«التصديق العمالي الدائم» (PERM)، وهو الإجراء الذي تحتاجه معظم طلبات البطاقة الخضراء القائمة على التوظيف. وأوضح وزير العمل كيث سوندرلينغ أن الوزارة لن تقبل طلبات جديدة ولن تعالج الطلبات المعلقة المرتبطة بمجموعة من الشركات، تضم مايكروسوفت وأدوبي، إضافة إلى شركات التعهيد التقني كوجنيزانت وإنفوسيس وتاتا للخدمات الاستشارية وويبرو وإتش سي إل وكابجيميني.
وقال نائب الرئيس جيه دي فانس إن التجميد سيستمر «طالما اقتضت الحاجة»، مؤكدًا أن الإدارة تريد من هذه الشركات تغيير طريقة توظيفها. وتحدث عن شركات تنشر إعلانات وظائف غير فعّالة ثم تستند إلى قلة المتقدمين لتبرير استقدام عمال أجانب بأجور أقل. وخصّ مايكروسوفت بأشد انتقاد، قائلًا إنها لم تُسئ استخدام النظام أكثر من أي شركة أخرى، وذكر أنها سرّحت نحو ستة آلاف عامل أمريكي في العام الماضي، في حين استفادت من نحو 6300 تأشيرة H-1B ونحو ثلاثة آلاف بطاقة خضراء.
لماذا يمثّل PERM نقطة حساسة؟
يُلزم هذا الإجراء صاحب العمل بإثبات أن توظيف العامل الأجنبي لن يضر بأجور العمال الأمريكيين ولا بفرصهم الوظيفية. ولأنه الخطوة الأولى في أغلب مسارات الإقامة الدائمة المرتبطة بالعمل، فإن تعطيله يقطع الطريق من بدايته، لا من نهايته. وتُعدّ مايكروسوفت، بحسب بيانات وزارة العمل الأمريكية، أكبر مقدِّم لطلبات PERM، ما يجعل أثر القرار عليها مباشرًا.

ردود الشركات وقراءات السوق
رفضت مايكروسوفت الرواية الرسمية في بيان، مؤكدة أن نحو 80% من طلبات H-1B التي قدّمتها في السنة المالية الماضية كانت لتمديد أو تغيير وضع موظفين حاليين، لا لجلب موظفين جدد، وأنها تدفع للعاملين بتأشيرة H-1B الأجر نفسه الذي يتقاضاه زملاؤهم في الوظائف المماثلة. كما ذكرت أنها أعلنت في يوليو خفض 4800 وظيفة، أي نحو 2.1% من قوتها العاملة عالميًا. وقالت الهيئة الهندية لقطاع التقنية «ناسكوم» إن الشركات الهندية في الولايات المتحدة قلّصت اعتمادها على H-1B بدرجة كبيرة، وإن عددًا قليلًا نسبيًا من موظفيها يطلب الإقامة عبر PERM.
أما على صعيد السوق، فيرى مدير شركة لإدارة الأصول أن الأثر المالي المباشر على الشركات الكبرى قد يكون محدودًا في الوقت الراهن، لكن انعكاساته بعيدة المدى على الابتكار والقدرة التنافسية قد تكون أكبر بكثير.
سياق التصعيد
لا يأتي القرار من فراغ. ففي سبتمبر 2025 أطلقت وزارة العمل حملة إنفاذ باسم «مشروع فايروول» (Project Firewall)، وتزامن ذلك مع إعلان رئاسي فرض رسمًا لمرة واحدة قدره 100 ألف دولار على الطلبات الجديدة لتأشيرات H-1B الخاصة بعمال يُستقدمون من الخارج. وتقول التقارير إن الحملة فتحت نحو 200 قضية وفرضت غرامات بملايين الدولارات. ويندرج هذا كله ضمن توجه أوسع في ولاية ترامب الثانية يضغط على الشركات لإبقاء الوظائف والإنتاج داخل الولايات المتحدة.
والملفت أن القرار جاء رغم تقارب ملحوظ بين الإدارة وقادة التقنية الساعين إلى تخفيف تنظيم الذكاء الاصطناعي، وقبل ساعات من تسليم الرئيس ترامب الميدالية الوطنية للتكنولوجيا والابتكار لساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت.
الجبهة الثانية: الجامعات
أعلن فانس كذلك التحقيق في تسع جامعات، من بينها هارفارد وييل وستانفورد وبراون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بدعوى إساءة استخدام تأشيرات الزائرين في برامج التبادل بما يضعف الأجور الأمريكية. وقال المفتش العام لوزارة العمل أنتوني ديسبوزيتو إن أوامر استدعاء قد سُلّمت بالفعل، وإن المحققين سيفحصون ما إذا كان النفوذ الأجنبي أو العلاقات المالية غير السليمة أو إساءة استخدام التأشيرات تُضعف نزاهة الأبحاث الممولة اتحاديًا.
وحذّرت ممثلة عن المجلس الأمريكي للتعليم من أثر اقتصادي واسع، مشيرة إلى أن الطلاب الدوليين ينفقون تاريخيًا نحو 40 مليار دولار سنويًا أثناء دراستهم في الولايات المتحدة. ويعمّق هذا التحقيق الخلاف الطويل بين الإدارة وجامعة هارفارد بشأن الطلاب الأجانب.

قراءة تحليلية
أولًا: انتقال من الرسوم إلى الإيقاف الإداري. كان الرسم المرتفع على تأشيرات H-1B أداة ضغط مالية تُبقي الباب مفتوحًا لمن يستطيع الدفع. أما تجميد PERM لشركات بعينها فهو أداة مختلفة في طبيعتها: إغلاق مؤقت لمسار كامل أمام أسماء محددة. وهذا يشير إلى أن الإدارة تنتقل من تسعير الهجرة الماهرة إلى التحكم في من يحق له استخدامها.
ثانيًا: تباين الروايتين. ما نُشر حتى الآن، بحسب تقرير رويترز، هو اتهامات الإدارة وردود الشركات، دون إشارة إلى حكم قضائي يثبت الاحتيال. ومن الواضح أن أرقام فانس وبيانات مايكروسوفت تقيس أشياء مختلفة: الأولى تركز على التسريح مقابل التأشيرات والإقامات، والثانية على أن غالبية الطلبات تخص موظفين قائمين. والحكم على الطرفين يتطلب بيانات أدق وتفصيلًا لما يُحتسب في كل رقم.
ثالثًا: أثر محتمل على المواهب. قد يدفع تعطيل مسار الإقامة الدائمة بعض المهندسين والباحثين إلى إعادة النظر في البقاء في الولايات المتحدة، أو يدفع الشركات إلى نقل جزء من أعمالها إلى الخارج. لكن هذا تقدير مستقبلي لا يمكن الجزم به، وسيتوقف على مدة التجميد وعلى ما إذا كانت الأطراف المتضررة ستلجأ إلى القضاء.
رابعًا: الجامعات حلقة في السلسلة نفسها. فالجامعات البحثية هي أحد أهم مصادر المواهب التي تتحول لاحقًا إلى قوة عاملة في قطاع التقنية. واستهدافها بالتزامن مع الشركات يوحي بأن الإدارة تنظر إلى مسار الاستقطاب كله، من الدراسة إلى التوظيف إلى الإقامة، بوصفه ملفًا واحدًا.
خاتمة
يعكس القرار توجهًا أمريكيًا واضحًا نحو إعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد الرقمي والعمالة الأجنبية، لكنه يترك سؤالًا جوهريًا بلا جواب: هل ينجح تضييق مسارات الإقامة في حماية الوظائف المحلية، أم يدفع المواهب والشركات إلى الاستقرار في أماكن أخرى؟ ستجيب الأشهر المقبلة عن جزء من هذا السؤال، بحسب مسار القضاء وحجم التطبيق.