المقالات
ربما - عميل الاتصالات
الميزة الوحيدة التي تجنيها من تلك الرسائل التي تصلك في العيد على هاتفك الخليوي، أن صاحبها لا يذكر لمن أرسلها فلا يعتب عليك إن لم ترد. هل قابلت أحداً يقول لك إنه أرسل لك معايدة، تقول: «كل عام وأنت بخير»؟ وعاتبك لأنك لم ترد عليه أو لم تعايده بالمقابل، ولو فعل، فجرب أن تقول له: «لقد رددت عليك» ستجده لا يحرز رداً، لأنه هو نفسه لا يتذكر إن كنت فعلت، ولا يذكر من عايده ومن لم يفعل.
بدرية البشر
Monday, October 29, 2012 - 12:59 AM
Views: 134
في الأعياد تصلك رسالة من ذلك النوع الذي يأتي من كل الناس وتذهب إلى كل الناس، من شخص لا تذكر متى رأيته ولا متى آخر مرة تحدثت معه، هو أيضاً لم يتذكرك صدفة، لكن المصادفة هي أن رقمك موجود على قائمة هاتفه فوصلتك الرسالة بالغلط.
أطرف ما وجدت في هذه الرسائل، التي لم تتكلف سوى معالجة زر الهاتف الخليوي - وفق تقنياته الحديثة - أن رجلاً أرسل رسالة لطيفة بعبارات مبتكرة، ووضع اسمه أسفل العبارة، لنقل إن اسمه فهد وأرسلها إلى صديقه خالد، فقام المستقبل خالد بإرسالها عبر خدمة إعادة إرسال لكل من في قائمته، من دون أن ينزع الاسم من أسفل الكلمات، ليفاجأ من وصلته الرسالة بإرباك شديد، من الذي أرسل الرسالة بالضبط؟
من المستفيد من هذه الرسائل الباردة؟ إنها شركات الاتصالات التي تتربح من كل رقم هاتف في يوم العيد بقدر عدد المعارف والأصدقاء، وحتى السباك والكهربائي وبقية موظفي الخدمات، وربما أعداؤك المزعجون، لأنهم - ولا شك - سيكونون ضمن قائمة اتصالك. لذا فإنني أقترح على شركة الاتصالات أن تقوم بتشكيل لجنة «ثقافية»، مهمتها تأليف عبارات التهنئة - ولا بأس بعبارات المواساة لو لزم الأمر -، وكذلك تهتم بفرع خاص باقتناص النكت الرائجة والمبتكرة، وتمريرها لزبائنها المميزين ذوي العلاقات الواسعة مجاناً، وهم بدورهم يقومون بترويجها لقوائم اتصالهم الكثيفة، وخلال دقائق ستصبح مثل كرة ثلج تدور، وتدور، حاملة معها ملايين الريالات التي تصب في جيبها.
الرسائل مهمة، فهي مظهر تواصل بين روحين، بين شخصين، بين كائنين اجتماعيين، ومن أهميتها قال شاعرنا البدر: «لا تردين الرسايل وش اسوي بالورق»، لكن الرسائل التي ما عادت من ورق، تحولت إلى موجة إلكترونية لا تلمس قلبك، ولا تحرك داخلك ساكناً حين تظهر على شاشة هاتفك الزجاجية بلا طعم، فهي مجرد كلمات لا تخصك، بل صادرة للجميع، وهذا ليس نوعاً من المساواة بل نوع من اللامبالاة، تخليص حق أو واجب أو نوع من المجاملات، والظهور بمظهر حضاري، حين يرسلها الإنسان «العميل» - أقصد بالطبع عميل شركات الاتصالات - يشعر أن هماً ثقيلاً سقط عن كاهله، هذه العلاقات التي تكومت مع الوقت من دون اختيار منه أو بقليل من الاختيار أو حتى باختياره، لكن الوقت لا يسعه لرعايتها، ويمكن التخلص من واجبها بعبارات عامة، تفيدك بأن واجب العيد انتهى، فهل سترسل رسائل مرة أخرى وقد عرفت أنها لم تعد تعني لصاحبها الكثير؟