الأخبار
«الدليل الرقمي»: حلقة مفقودة في ضربتي «ستاكسنت» و«فلايم»
لم تمرّ ضربتا الفيروسين الإلكترونيين الإستراتيجيين، «ستاكسنت» و «فلايم»، اللذين استهدفا المفاعلات النووية الإيرانية ونجحا في ضرب القدرات النووية الإيرانية، من دون ترك دروس عميقة في التقنية والاستراتيجية على السواء. في المقابل، مرّ الفيروسان كأنهما يرتديان حذاءً من ريح! لم يتركا آثاراً تدلّ على صنّاعهما. امتدت أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ربما ضمن قراءة سياسية، من دون أن يجد هذا الاتهام دليلاً عليه.
الجمعة,16 نوفمبر 2012 - 12:13 م
مشاهدات: 194
وتذكيراً، ينتمي هذان الفيروسان الإلكترونيان كلاهما إلى الفئة المعروفة باسم «الدودة الإلكترونية». وتاريخياً، سجّلت هذه الفئة
أفظع الاعتداءات في تاريخ العالم الرقمي. وليس بعيداً من ذاكرة المُتابعين للشأن الإلكتروني ضربة «فيروس الحبّ» Love Virus، التي شُنّت بتقنية «هجمات رفض الخدمة» Denial Of Service Attacks (واختصاراً «دوس» DOS). وقُدّرت الخسائر الناجمة عن «فيروس الحب» بـ 8.7 بليون دولار. والطريف أن مُطلِق هذا الفيروس كان طالباً أقرّ بأنه أطلق «فيروس الحبّ» من دون قصد، فلم تعاقبه بلاده، لأن الفيليبين حينها لم يكن لديها قوانين تخصّ بالجرائم الإلكترونية.
وتشمل المخاطر الناجمة عن توالي ضربات الفيروسات الإلكترونية، ضرب مصداقية تقنية المعلومات والشبكة العنكبوتية، وتالياً إيجاد ميل للعزوف عنها.
خسائر الاحتيال الشبكي
في السياق عينه، تقدّر قيمة خسائر بطاقات الائتمان الناجمة عن السرقات والاحتيالات الإلكترونية ببلايين الدولارات سنوياً، في حين تقدر خسائر الشركات من سرقة العلامات التجارية بقرابة 5 في المئة من قيمة التجارة الدولية. ويزيد في فداحة هذه الرقمية أن جرائم الإنترنت تتزايد سنوياً بمقدار الضعف، ما يعني أن بعضها ربما استطاع ضرب اقتصاد دولة بأكملها من دون عناء!
وثمة مشكلة رئيسية تواجه سبل تطويق الجرائم الإلكترونية، تتمثّل في عدم وجود اتفاق عالمي عن تعريفها. طريّ في الذاكرة، أن الاتحاد الأوروبي وضع «ميثاق الجريمة الإلكترونية» قبيل ضربات الإرهاب في 11/9، ما اعتُبِر حينها ضوءاً لاح في نهاية النفق، إذ مهّد الميثاق الطريق أمام وضع تعريفات ثابتة ومفهومة للجرائم الإلكترونية المختلفة.
واستطراداً، أصبحت مسألة العثور على أدلة لإثبات حدوث الجريمة الإلكترونية أمراً لا بد منه، خصوصاً أن الوقائع أثبتت أن الترسيم القانوني للأدلة والقرائن في الجرائم «الفعلية»، لا تنطبق بالضرورة على الجريمة الإلكترونية، بل أنها قاصرة عن إطلاق ملاحقة نشِطَة لمرتكبي جرائم المعلوماتية. ولم يتردّد البعض في القول بأن نصوص القوانين التقليدية تواجه تحديات إزاء مواجهة المعلوماتية، ما حثّ على إطلاق نقاش ما زال متفاعلاً عن التكييف القانوني لطائفة جديدة من الأدلة خاصة بالجريمة المعلوماتية، أطلق عليها مصطلح «الدليل الرقمي» Digital Evidence.
من نافل القول الإشارة إلى وجود مجاميع من المشاكل والثغرات التي تنتظر وضع حلول قانونية لها، إذ يتحتّم على الدول جميعها التوصّل إلى ميثاق دولي عن الجريمة الإلكترونية، إضافة إلى الالتزام بنصوصه حتى يصبح قوّة فعّالة.
من القطّ ومن الفأر؟
استطراداً، هناك عمل قانوني ضخم سيواجه هذا الأمر، بمعنى ضرورة العمل على التوفيق بين ذلك الميثاق الدولي وبين القوانين الخاصة بالجريمة الإلكترونية في الدول كافة. وفي هذه الحال، يكون من شأن البيروقراطية أن تشكّل «عقب إخيل» هذا الجهد، بمعنى أن تكون نقطة ضعف تؤدي إلى ضرب القوانين الدولية والإطاحة بمفاعيلها، خصوصاً أن السرعة الفائقة سمَة أساسية فارقة في الفضاء الافتراضي للمعلوماتية.
على رغم نقاط التشابه المتعدّدة بين الجرائم الفعلية والإلكترونية، يختلف أفراد العصابات في هذين العالمين. وتخشى عصابات الجرائم الفعلية عموماً مواجهةَ السلطات، فيما يهوى بعض «أقرانهم» العنكبوتيين ممارسة لعبة القط والفأر مع السلطات، خصوصاً أن الفأر الصغير الحجم أكثر قدرة على الهرب والمراوغة مقارنة بالقط الأكبر جسماً والأبطأ حركة. والأرجح أن الصورة كانت معكوسة كليّاً في ضربتي «ستاكسنت» و «فلايم»: فمن ضرب كان بحجم عملاق وأكثر سرعة وخفة (كأنه نمر «شيتا» الأبيض)، فيما من تلقى الضربة بدا هزيل الحجم، وقليل الحيلة، ومنعدم الحركة. ثمة تغيير مطلوب في المسائل القانونية المتّصلة بالجريمة العنكبوتية، لا يمثّل «الدليل الرقمي» فيها سوى قمة جبل الجليد العائم.
وينطبق هذا الأمر على أنواع الجرائم الإلكترونية كلها، بداية من استعمال الشبكة للاحتيال، ومروراً ببيع طريقة تحضير «حبوب النشوة» («إكستسازي» Ecstasy)، أو أسلوب تصنيع قنبلة منزلية ومتفجّرات بدائية لاستهداف المركبات العسكرية وجنودها. وإذا لم يحدث هذا التغيير فعلياً، فلربما نعيش لنرى الفضاء العنكبوتي خاضعاً للخارجين العنكبوتيين على القانون، بصورة كليّة.