عاجل
الأخبار

التقرير الذي يُدين وسائل الإعلام البريطانية

في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، قدّم القاضي براين ليفيسون تقريره حول "ثقافة، ممارسات وأخلاقيات الصحافة" في المملكة المتحدة؛ منهياً بذلك تحقيقاً لمدة تسعة أشهر أوصت به الحكومة البريطانية إثر الكشف عن عمليات تنصّت هاتفيّة غير شرعيّة أجرتها مجلة "News of the world". ومن خلال اقتراح إنشاء هيئة لتنظيم الصحافة من خارج المهنة، أثار القاضي ليفيسون سجالاً حادّاً جداً. فهذه الآلية تعني في الواقع إمكانيّة التعارض بين حريّة المؤسسات الصحافيّة والمصلحة العامّة. وقد ارتكزت توصية القاضي على عرضٍ للانحرافات والخروقات التي ارتكبتها وسائل الإعلام البريطانيّة، ولنظام من التواطؤات أعاق الجهود السابقة لتنظيم القطاع. نورد منه هنا بعض المقتطفات.

التقرير الذي يُدين وسائل الإعلام البريطانية
اضغط للتكبير

 

مقدّمة

عندما تعمل كما يُفترض بها ولأجل المصلحة العامة، تشكّل الصحافة إحدى دعائم الديموقراطيّة [1]. فكما يقول طوماس جيفرسون، "عندما تكون الصحافة حرّة ويكون كلّ شخص قادراً على القراءة، يكون كلّ شيء على ما يرام" [2]. بموجب هذه المسلّمة، شهدت الصحافة منحها امتيازات مهمّة لطاما دافعتُ عنها بصفتي محامٍ وقاضٍ. إلاّ أنّ تلك الامتيازات تترافق مع مسؤوليات خاصّة إزاء الجمهور: احترام الحقيقة، والامتثال للقانون، وأخذ حقوق وحريّات كلّ فردٍ بعين الاعتبار. ما نطلبه من الصناعة الصحافيّة في النهاية هو احترام تلك المبادىء التي جاهرت بأنّها مؤتمنة عليها (وغالبيتها ترد في الواقع في قانون حسن السلوك الخاص بالناشرين).

إلاّ أن البراهين التي تم استقاؤها من قبل هيئة التحقيق تُظهر بما لا يقبل الجدل بأنّه لمرّات عدّة خلال العقد المنصرم -وبالرغم من أنّه اشتهر بأنّه كان أفضل من العقود السابقة - تمّ تجاهل تلك المسؤوليات، دون مراعاة لثقة الجمهور. فالسعي وراء معلومات مثيرة غالباً ما حمل بعض أقسام المهنة على التغاضي عن الأخلاقيات التي كانت قد أرستها بنفسها. وقد تسبّبت تلك المخالفات بمشاكلٍ خطيرة وصل بها الأمر في بعض الحالات إلى تدمير حياة أشخاص أبرياء ازدُريت حقوقهم وحرياتهم. الأمر لا يقتصر فقط على المشاهير، إنّما أيضاً على أفرادٍ عاديين متورّطين في أحداث (مأساوية في غالبيتها) كانت تتخطّاهم، لكنّ الصحافة، بتصرّفها المشين، قد ساهمت بتضخيم تأثيراتها بشكلٍ خطير. (...)

تشكّل (الصحافة) عنصراً أساسياً من ثقافتنا الوطنيّة. الأمر الذي لا يعني مع ذلك بأنّها بمنأى عن الانتقاد، ولا أنّه يجب تحميل ثمن حريتها للأشخاص الذين تسيء معاملتهم بصورةٍ جائرة، والذين لا يملكون الإمكانيات للحصول على تعويض. ومن غير المقبول في أيّ جسمٍ مهنيّ، وصناعيّ أو تجاريّ، أن يشكّل تصرف البعض بصورة لا عيب فيها حجّة كي يسيء البعض الآخر التصرّف. ستكون الصحافة طبعاً أوّل من يدين هكذا تصرّفات ويدافع بزخمٍ عن المواطنين ضحيّتها. ففي النهاية، تلك هي وظيفتها: محاسبة الذين يشغلون السلطة.

الإطار

تُظهر الممارسات التي كشف عنها المفوّض الإعلامي [3] (...) بأنّ جزءاً مهمّاً من الصحافة قد تورّط في تجارة واسعة للمعلومات ذات طابعٍ خاص، دون أيّة مراعاة من قبلها لمصلحة الجمهور. (...) ولم يحمل الكشف عن هذه الأمور أيّ صحيفة إلى النظر في ممارساتها الخاصّة أو التحقيق حول ممارسات منافسيها. ولم تفكّر أيّة صحيفة بالتأكّد ممّا إذا كان صحافيّوها قد احترموا القانون الذي يحمي الحياة الخاصّة. وفي أفضل الأحوال، منعت الصحافة اللّجوء إلى محقّقين لجمع المعلومات - حتّى أن بعض الإصدارات أخذت وقتاً قبل أن تقبل بذلك، في حين اعتبر البعض الآخر بكلّ بساطة بأنّها غير مفيدة. وعندما التمس مفوّض الإعلام دعم الحكومة والبرلمان بهدف زيادة العقوبات التي تُفرض في حال تمّ تخطّي القانون، اصطدم بهجومٍ مضادّ من قبل اللوبي الإعلامي (ولجنة شكاوى الصحافة Press Complaints Commission [4])، الذي اعترض على فكرة أنّه يمكن لصحيفة معيّنة أن تُعاقَب لخرقها القانون على صعيد صناعيّ منهجيّ.

الصحافة والجمهور

فسّر البعض أن تصرّف صحيفة News of theWorld بطريقةٍ غير لبقة لتأمين معلوماتها [5]، لا يسمح لنا باتّهام زميلاتها بالتخلّف عن واجباتها القانونية والأخلاقية. وأمام سلسلة الأمثلة التي توحي بعكس ذلك، اعترض هؤلاء أنفسهم بالقول أنّها إنحرافات لا تعكس أبداً ثقافة وممارسات وأخلاقيّات المهنة بمجملها. طبعاً إنّ غالبية المقالات الصحافية تتعلّق بمواضيع خارجة عن إطار الحياة الخاصة والتشهير، وإنّ مصداقية كتّابها ليست مُدانة. وعندما تكون الحال كذلك، تُكتب بدرجة عالية (وأحياناً عالية جداً) من الشروط المهنية. لكن لا يمكن تجاهل الكتابات العديدة جداً التي تتنصّل من أيّ اعتبارٍ خاصّ بآداب المهنة، ومامن شكّ بالنسبة لي بأنّ تلك المقالات تعكس ثقافة (أو بالأحرى ثقافة دونيّة) متجذّرة بقوّة في بعض الأوساط. (...)

لنأخذ مثلاً قضيّة التنصّت الهاتفيّ. بما أن التحقيقات القضائية لا تزال جارية، من غير الممكن الدخول في التفاصيل، ولا عرض شهادات تفيد بأنّ تلك الممارسات ليست حكراً على ناشرٍ منفرد. سنكتفي بالإشارة إلى أنّ العديد من مدراء الصحف قد استمتعوا في التداول فيما بينهم بمعلوماتٍ لم يكن بإمكانهم أن يتجاهلوا بأنّها مأخوذة من عمليّات تنصّت غير شرعيّة على الهاتف، وتنميقها بنكات مريبة - من تلك التي يتبادلها الملمّون بالأمور خفية. أقرّ بطيبة خاطر بأنّ هكذا تصرّف لا يدينهم بشيء. لكنه يُظهر على الأقلّ بأنّ التدخّل في حياة الآخرين الخاصّة لا يثير لديهم أيّ ارتباك، ولا أيّ قلق من كون هكذا ممارسات تلقى الاستحسان لدى فريق التحرير لديهم (...).

إن الأخطاء والمعلومات غير الدقيقة هي من نصيب كلّ فريق تحرير في قطاعٍ تُخضعه آليّته الطبيعية إلى وتيرة جدّ سريعة. لكن، عندما يتّضح بأنّ موضوعاً ما يحفّز البيع وبأنّ الجمهور يطالب به، غالباً ما يُعتبر احترام الحقيقة الصرفة عائقاً، في حين أن عرض معلومات متحيّزة ومبالَغ بها يتخطّى من بعيد الحدود التي تسمح بها حرية التعليق. يُفترض بصناعة مماثلة أن تتباهى بتأمين المعلومات للمواطن وأن تعتبر التضليل الإعلامي وباء. لكن عندما يؤدّي الأمر إلى تصويرٍ مخادعٍ لمجموعة اجتماعية، ولصراع مصالح مخفيّة أو لنشر مخاوف غير عقلانيّة حول موضوع العلم، فذلك يشكّل تهديداً واضحاً للمصلحة العامّة. (...)

من جهة أخرى، تعاني الصحافة من ميلٍ قويّ لازدراء أيّ شخصٍ يتجرأ على الاشتكاء منها. فبالنسبة لشخصٍ تضرّر نتيجة معلومة خاطئة، غالباً ما يكون عليه الانتظار لوقتٍ غير طبيعيّ قبل حصوله على اعتذار أو تصحيح أو حقّ بالردّ. وحتّى عندما لا يعود من الممكن تجاهل طلبٍ ما، تتمّ المماطلة قصداً بالقضيّة بحجّة عدم إيجاد مكانٍ مناسبٍ لتخصيصه لها. بالتوازي مع ذلك، وضعت بعض الصحف استراتيجيّة ثأرية تقضي بإغراق المشتكي تحت وابلٍ من التهجّمات الشخصية. ونظراً لأهمية قراء تلك الصحف، يمكن لهذا النوع من التشهير أن يؤدّي إلى عواقب مضرّة جداً. لذا، في غالبية الأحيان، يعدل الأشخاص الذين تعرّضوا للتشهير عن الردّ، ليس لأنّهم يجدون صعوبةً في إثبات حسن نيّتهم، بل لأنّهم يفتقرون إلى الطاقة الكافية لخوض معركةٍ طويلة الأمد نتيجتها غير مؤكّدة، أو خشيةً من تداعيات ذلك على أصدقائهم أو عائلاتهم.

الصحافة والسلطة

لحظة تشكيل لجنة التحقيق، توافق قادة الأحزاب البريطانية الثلاث الكبرى [6] على الاعتراف بأنّ السياسيين مذنبون منذ بضعة أعوام بسبب "تقرّبهم المبالغ به" من الأوساط الصحافية. لذلك، اضطرّت اللجنة للالتفات إلى عدّة مسائل: الى أيّ مدى يؤثّر هذا التواطؤ على الممارسات الصحافيّة الحالية؟ وهل دفعت القادة السياسيين إلى عدم اغتنام الفرص التي سنحت سابقاً لتذكير الصحافة بواجباتها؟

تظهر الوثائق التي جمعتها لجنة التحقيق دون أدنى شكّ أنّه خلال الثلاثين أو الخمس وثلاثين سنةً المنصرمة، وربّما أكثر، حاكت التشكيلات السياسيّة التي تعاقبت على السلطة وفي أوساط المعارضة علاقات محرّمة مع الصحافة، لا تخدم أبداً المصلحة العامّة. وقد استنفزت هذه العلاقة الكثير من الوقت والاهتمام والموارد، التي كان ليُفضّل استثمارها في إدارة الشؤون العامّة. وهي تشهد على رغبةٍ لا تتزعزع بالتحكّم بفيض المعلومات بغية الحصول على حظوة هذه الصحيفة أو تلك، وعلى إمكانيات وطاقة يفوق معدّلها بدرجة كبيرة ما يمكن اعتباره مجرّد محاولة، حزبيّة لكن شرعية في النهاية، للتأثير على السجال الديموقراطي. (...)

في بعض الحالات، وضع القادة السياسيين أنفسهم من تلقاء ذاتهم في موقعٍ أصبحوا فيه منفتحين على كافّة أنواع الضغط الناتج عن مصالح غامضة. ولا توجد أيّة آلية ترغمهم على تبرير هذا النوع من التهوّر (مبدئيّاً، تعود إلى الصحافة تحديداً مهمّة مطالبتهم بحسابات). الأمر الذي ولّد لدى الجمهور الشعور بأنّ هناك تناقض مع مسؤولياتهم في إدارة الشؤون العامّة. لقد سنحت العديد من الفرص للتطرّق إلى المسألة خلال السنوات الأخيرة، إلاّ أنّه لم يتم اغتنامها، ولم يتمّ الردّ على مخاوف الجمهور إزاء وقاحة الصحافة. (...) لذا يجد القادة السياسيين أنفسهم في وضعٍ حسّاس في مواجهة الضغزط الإعلامية. فالصحافة تعرف كيف تتصرّف، ليس فقط لإسماع مصالحها الخاصة، إنّما أيضاً لتجميل أو تدمير صيت مسؤولٍ سياسيّ ما. فالمساهمون والمدراء ورؤوساء تحرير الصحف البريطانية تعلّموا في أفضل المدراس كيفيّة ممارسة ضغطٍ مُتقن ضمن شبكة الصداقات الشخصية والمهنية. وفي مواجهتهم، يجد ممثلو الشعب أنفسهم في وضعٍ أكثر هشاشة لكون ضرورات التسويق السياسيّ الحديث تدفعهم إلى عرض "حقيقة" حياتهم الخاصة (...).

إن الإطار الذي يمكن ممارسة الضغط ضمنه ليس إطار العلاقات اليوميّة بين الصحافة والسياسية، إنما إطار العلاقات التي يرسيها أصحاب السلطة مع المجموعات التي تستفيد من قراراتهم. إنّها فئة محدودة جداً تتألّف من عددٍ صغيرٍ من أصحاب القرار الحكوميين، وحفنة من المنافسين الداخليين أو الخارجيين الذين يسعون لأخذ مكانهم، ونواة من أرباب العمل والمدراء الإعلاميين الذين يتحكّمون بالقطاع الصحافي. وسط هذه الشبكة المعقّدة من المصالح المتداخلة، من الصعب حقّاً الفصل بين حسن سير الشؤون العامة والسياسة غير الشرعية للخدمات المتبادلة التي يتمّ تقديمها. لا يجب إذاً أن نتفاجأ إزاء تكاثر الشبهات التي تتوجّه نحو شفافيّة وفضائل نظام مماثل.

 


طباعة المقال إرسال لصديق إضافة تعليق

آراء وتعليقات القراء

شارك برأيك وتعليقك