Breaking
الدراسات

الروبوت الجوي: هل بدأت أميركا خوض حروب الأسلحة الذكية؟

أصبح الروبوت الجوي (drone) أو الطائرة من دون طيار السلاح الأمضى لاغتيال فرد أو قتل مجموعة أفراد، تصنفهم الولايات المتحدة "أهدافا" سياسية وأمنية ينبغي إهلاكها، من أجل حماية الأمن القومي الأميركي.

الروبوت الجوي: هل بدأت أميركا خوض حروب الأسلحة الذكية؟
Click to enlarge


 تقول صحيفة "ذا غارديان" البريطانية إن الولايات المتحدة لديها أكثر من عشرة آلاف روبوت جوي في ترسانتها الحربية، وهناك ست روبوتات تقريباً تطير فوق منطقة واحدة في جميع الأوقات ليلاً ونهاراً، وهي مزودة بكاميرات عالية الدقة تتطفل على تحركات الناس تحتها [1].

يمتد حقل "الغارات الروبوتية" الأميركية في نطاق جيوبوليتكي /جغرافي ـ سياسي شاسع، يضم من الدول العربية : العراق، اليمن، ليبيا، الصومال، السودان، جيبوتي. كما يضم من الدول الإسلامية : أفغانستان وباكستان. لكن دولا عربية وإسلامية أخرى قد تدمج في هذا النطاق قريبا[2]. ورغم رفض الجزائر السماح للروبوتات الجوية الأميركية والفرنسية بعبور أجوائها للوصول إلى منطقة دول الساحل[3]، فإن الإدارة الأميركية تناقش خطط تنفيذ غارات روبوتية ضد قواعد إرهابيين في دول شمال افريقيا. ويشارك في المناقشات مسؤولون أميركيون من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ووزارة الخارجية ووزارة الحرب[4] أيضا.       

تفتك صواريخ الروبوت الجوي الأميركية بالضحايا، وبمبدأ السيادة الوطنية معا. فلا اعتبار يذكر للقضاء الوطني وللقوانين الوطنية في هذه الدول. لأن توجيه "الغارات الروبوتية" الأميركية نحو "الأهداف" يستند على معلومات سرية تقدمها أجهزة استخبارات الولايات المتحدة، وبناء على هذه المعلومات ذات المصادر السرية، طبعا، تكلف الحكومة الأميركية قواتها الجوية إعدام "الأهداف" المحددة. 

تحوي لائحة القتل الأميركية السرية أسماء أعداد من الأشخاص المقيمين في تلك الدول، الذين تتهمهم واشنطن بالعمل في تنظيمات إرهابية مثل "القاعدة" وغيرها. وينفذ "الإعدام الجوي" بـ"الإرهابيين" المفترضين من دون توقيف ولا أدلة ولا محاكمة. وتنتهك هذه الملاحقة الدموية القوانين الدولية أيضا، لا سيما عندما "يخطئ" الجنود الأميركيون بـ"إعدام" ضحايا بريئين بدلا من الضحايا المستهدفين.                    

كشفت وكالة الأنباء الصينية يوم 3 أيلول 2012 عن مجرزة مروعة "ارتكبتها" روبوتات جوية أميركية من طريق "الخطأ" ضد مدنيين في اليمن. فقد أغارت الروبوتات الأميركية على حافلتين تقلان مواطنين يمنيين آمنين. دمرت الحافلتان وقتل 13 شخصا وجرح 20 آخرين فيهما. لا يخضع مرتكبو هذه الجريمة لأي عقاب. فالأميركيون سبق وكرروا جرائم مثلها في العراق وأفغانستان وباكستان، ولكن حقوق الضحايا كانت تضيع دائما، لأنه لا يوجد قضاء دولي أو وطني يدعي على المجرمين لحماية حقوق الضحايا.

لقد تمت مباحثات بين القوى الكبرى لفرض قوانين دولية تقيد اللجوء إلى الروبوتات الجوية (drones) لتصفية مطلوبين للعدالة في الولايات المتحدة أو في دول أخرى. ولكن قوننة الإستخدام العشوائي للغارات الروبوتية، في اتفاقيات دولية مناسبة، يواجه أسئلة في شأن مواقع الروبوتات ـ الطائرات، ومراكز توجيهها، وقواعد انطلاقها لتنفيذ غارات "الإعدام الجوي" في دول العرب والمسلمين.

تستفيد الولايات المتحدة من الفراغ القانوني الدولي حول الإستخدام العشوائي للروبوتات الجوية، من أجل تدعيم سياساتها الأمنية الجديدة ووقف تراجع الهيمنة الإقليمية الأميركية في الدول العربية والإسلامية. فـ"السلام الأميركي التي ساد بعد حرب عام 1973، يوشك على الفناء، بحيث لن تكون القوة الأميركية حاسمة بالنسبة لشعوب المنطقة على النحو الذي كانت عليه خلال الأعوام السابقة"[5].

في المرحلة الراهنة من المؤكد أن تطوير ونشر الروبوتات الجوية هو جزء من إشكالية التفوق العسكري الأميركي[6]. فالمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة تعمل على تطوير جيل جديد من الروبوتات الجوية أسرع واذكى من أسطولها الحالي، وتتمتع باستقلالية متزايدة. وقد رصدت وزارة الحرب الأميركية / "بنتاغون" استثمارات ضخمة لزيادة "استقلالية" أسلحة الروبوت، التي لا تحتاج لتدخل بشري في عملها.

وقال رئيس القسم العلمي في سلاح الجو الأميركي مارك مايبوري إن هذه الأسلحة "كانت من قبل عمياء وصماء وغبية، وبدأنا الآن في منحها القدرة على الرؤية والسماع والإحساس"، متوقعا أن يقتصر تدخل البشر في المستقبل على إعطاء أوامر محددة وبصورة متباعدة. ومن ناحيته يرى خبير أسلحة الروبوت بيتر سينغر أن دور الإنسان "ينتقل من دور مشغل عن بعد إلى دور مشرف أو مدير يطلق العنان بشكل متزايد للروبوت"[7].

تتوجه الولايات المتحدة لتطوير الروبوتات الجوية ورفع عددها من 10 آلاف إلى سقوف غير محددة. فهي تريد تكثيف اعتمادها على "الغارات الروبوتية"، وتنفيذ التجسس والرصد بالروبوت الجوي، من خلال نشرها في دول عربية وإسلامية وفي دول آسيوية أيضا. ويرى بعض الخبراء أن هذا التوجه العسكري ـ التقني الذي تسير فيه الإدارة الأميركية يدل على أنها تمهد لحروب جديدة تعتمد على أسلحة التقنيات الذكية، بالتكاتف مع حلفائها الغربيين[8]. ويلمح هؤلاء الخبراء إلى أن استعمال "إسرائيل" لهذه الأسلحة في  فلسطين المحتلة، ولبنان، ولجوء الأميركيين للروبوت الجوي في أفغانستان، وباكستان، وإيران، واليمن وليبيا، وسوريا إنما يشير إلى أن هذه الحروب ناشبة بالفعل.

 

مركز الحقول للدراسات والنشر

الأحد، 30 أيلول 2012     



   [1]"ذا غارديان"، الثلثاء 25 أيلول 2012.

[2]   "الخبر" الجزائرية : "أميركا وفرنسا أرسلتا قوات خاصة وطائرات من دون طيار إلى إقليم أزواد شمال مالي". الأحد، 17 حزيران 2012.

[3]  وكالات، السبت 10 كانون الأول 2011.

[4] "واشنطن بوست"، الثلثاء 2 تشرين الأول 2012.

[5]  "واشنطن بوست"، السبت 25 آب 2012.

[6]  "نيوزويك"، 16 آذار 2010. راجع الرابط التالي :

http://www.alhoukoul.com/article/3274

[8] Mer et Marine : “Drones : Des choix franco-britanniques et une réorientation franco-allemande”  21/09/2012.

http://www.meretmarine.com/fr/content/drones-des-choix-franco-britanniques-et-une-reorientation-franco-allemande


Print Article Send to Friend Add Comment

Reader Comments

Share Your Opinion