المقالات
تضليل اقتصادي على محطة فرنسا 2
"الأرقام لا تكذب، إلا أنّ الكذّابين يعبدون الأرقام" [1]، هذا ما أوجزه تماماً الكاتب الأميركي مارك توين. وإذا كان إثنان زائد إثنان يساويان دوماً أربعة، فهناك عمليّاً الكثير من الطرق لاستخدام علم الحساب. تقوم الطريقة الأولى على منهجيّة علمية: تُطرح فرضية، وتُجمَع المعطيات، ليتمّ التوصّل إمّا إلى إثبات الفرضية، وإمّا إلا لا جواب، وفي هذه الحالة يجب البحث أكثر.
mondiploar
الإثنين,18 مارس 2013 - 03:00 ص
مشاهدات: 162
أمّا الطريقة الأخرى فتقضي بالانطلاق من فكرة مكوّنة مسبقاً ثم تنظيم المعطيات بشكلٍ يوحي بتأكيدها "بالوقائع". هذا النوع من البهلوانيّات الإحصائية بات لها خبيرها: فرانسوا لانغليه، مدير قسم "فرنسا" في محطة "فرانس2" التلفزيونية.
وأستاذ الأدب السابق هذا، الذي عمل محرّراً في أكثر من مكانٍ من الصحافة الاقتصادية (L’Expansion, La Tribune, Les Echos, BFM) قبل أن يصبح النجم الإخباري في برنامج "أقوال وأعمال" (Des paroles et des actes ) علىى محطة "فرانس 2"، خلال الحملة الرئاسية في العام 2012، يجسِّد قدرة السلطة على تجديد نفسها عبر الإيهام بالتغيير. لقد ولّى زمنٌ كان فيه جان مارك سيلفستر يوزّع المواعظ الليبرالية التي كانت دوغماتيّتها تزعج حتّى مؤيّدي السوق الحرة. أرقام وخطوط مقوّسة وأعمدة ومقطَّعات الرسوم البيانية كلّها تبثّ على الهواء مباشرة، في تمرين تربيةٍ سمعية بصريّة سبق أن دُشنت في ثمانينات القرن الماضي مع جان فراسنوا كلوزيه، لتضفي بعدها قشرة علميّة على الفكرة القائلة بأنّ الخروج من أزمة الليبرالية، ليس هناك من حلول سوى الحلول الليبرالية.
وفي 12 كانون الثاني/يناير 2012، "برهن" لانغليه، مستنداً على رسمين بيانيين، أنّ "الدول التي أنفقت بنسبة أقلّ هي التي خرجت بوضع أحسن من الأزمة". ومن كان المثل النابض في هذه النظرية؟ كان خياراً عشوائيّاً (!) لثلاثة دول، هي فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، ولفترة زمنيّة، هي من العام 2006 حتّى العام 2011. يوضح الرسم البياني الأوّل النفقات العامّة على أساس النسبة المئوية من الناتج المحلّي الإجمالي للعام 2011: 41,9 للولايات المتحدة، و45,5 في المئة لألمانيا، و56,2 في المئة لفرنسا. ويبيّن الرسم الثاني حركة النموّ الاقتصادي في الدول الثلاث من العام 2006 إلى العام 2011. على مدى السنوات الخمس هذه، ارتفع مجمل الناتج المحلّي في ألمانيا بنسبة 5,5 في المئة، وفي الولايات المتحدة بنسبة 2,7 في المئة، وفي فرنسا بنسبة 2,3 في فرنسا. ويخلص لانغليه إلى أنّ "الانفاق العام لا يأتي بنموّ، وهذا ما تبيّنه الأرقام".
غير أنّ هذا البرهان ينهار إذا ما أخذنا فترةً أخرى، أو مجموعة أخرى من الدول. فالنظر في وضع فرنسا وألمانيا مثلاً على مرحلة أطول، من العام 1991 إلى العام 2011، يفضي إلى الاستنتاج بأنّ الدولة التي أنفقت أكثر، وهنا فرنسا، قد حققت نموّاً بمعدلٍ سنويّ متوسّط أعلى (1,58 في المئة مقابل 1,35 في المئة لما وراء نهر الراين)
وفي ما يتعلّق بالنفقات العامة نجد لانغليه - الذي غالباً ما يستخدم عبارة "بطبيعة الحال" - يترنّم على الدوام باللازمة نفسها. ففي 13 تشرين الثاني/نوفمبر العام 2012، تحمَّس لخطاب فرانسوا هولاند، وأوضح: "للمرّة الأولى يقولها صراحة: "إنّ مستوى الإنفاق العام في فرنسا، البالغ 57 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي، مرتفع جدّاً، ويجب العمل على إصلاح ذلك". وقد سبق له أنّ بشَّر بإصلاحٍ للدولة، وهي الطريقة الوحيدة الموثوقة لخفض 60 مليار يورو من الإنفاق العام في غضون خمس سنوات". وبذلك يكون هذا المذيع، عبر تأييده رئيس الجمهورية، يتبنّى لحسابه الفكرة (الليبرالية) القائلة بأنّ خفض الإنفاق العام هو مصدر نموّ، وهو الخيار الوحيد من أجل التحكّم بالماليّة العامة.
لكنّه لم يأتِ بأيّ نتيجة إحصائية جدّية سوى التالية: بالنسبة إلى مجمل دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وعلى مدى فترات غير محدّدة من سنواتٍ مضطربة، لم تكن هناك أيّة علاقة (والمقصود علاقة متبادلة إحصائية ذات معنى) بين حجم الإفاق العام نسبة للناتج المحلّي الإجمالي ومعدّل النمو الوسطيّ السنويّ. لا "قانون لانغليه"، ولا قانون معاكس: لا قانون البتّة. وهو ما يمكن إدراكه تماماً في النهاية، إذ إنّ النفقات العامة تساهم بقدر النفقات الخاصّة في النشاط الاقتصادي، وذلك عبر توزيع القدرة الشرائية وحركات الطلب الرسمية. والفرق الأساسي بين الاستثمارات الرسمية والخاصّة لا يكمن في حجم الناتج المحلّي أو في حركة نموه، بل في محتواه الغنيّ إلى حدٍّ ما بالسلع العامة.
لكن لنعد إلى حلقة 12 كانون الثاني/يناير العام 2012، التي لم يتردّد فيها لانغليه في التحوّل إلى ساحرٍ مضلِّل عندما عرض رسماً بيانيّاً آخراً يمثل تطوّر حصّة الثروة المنتَجَة (القيمة المضافة) العائدة إلى الأجور المدفوعة في فرنسا ما بين العامين 1950 و2010. وجاءت الخلاصة من قراءته للخطوط البيانية التي حضّرها: أنّ "حصة الأجور في القيمة المضافة تغيَّرت بشكلٍ بسيط منذ العام 1950".
إلا أنّ خيط الساحر كان ثخيناً قليلاً. فأوّلاً، هناك عدّة طرق لتحديد وقياس حصّة الأجور في القيمة المضافة. ويمكن تقدير نسبة هذه الحصّة فقط في "الشركات غير المالية" (أي الشركات التي تنتج السلع والخدمات) أو في مجمل الاقتصاد؛ ويمكن أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار أم لا "عمليّة تصويب من جرّاء الاعتماد المتزايد على الأجور" (فالمزيد من الأجراء، وأقل من المستقلّين، يؤدّيان تلقائيّاً إلى زيادة حصّة الأجووبالطبع اعتمد لانغليه الخيار الذي يقلّل من حجم التراجع. ولو أنّه أخذ بمعطيات المفوضيّة الأوروبية التي اعتمدتها منظّمة التعاون والتنمية الاقتصادية، لكان حصل على تهاوٍ كبير بقيمة عشر نقاط من الناتج المحلي الإجماليّ في حصّة الأجور منذ العام 1981، وما بين ست وثماني نقاط منذ ستينات القرن الماضي...
من ناحية أخرى، تبدو الخطوط في الرسم البيانيّ الذي يستعرضه مسطّحةً بشكلٍ لافت. والحيلة هنا كلاسيكيّة، إذ يكفي تطويل أو بالعكس تقصير الخطّ الأفقيّ لكي تتولّد الانطباعات النظريّة المتناقضة (متغيّرات تبدو ضعيفة أو بالعكس كبيرة)، وخصوصاً، وهو ما يجري هنا، عندما يتمّ تفادي ترقيم الخطّ الأفقي من أجل إظهار المؤشرات. ومع حِيلٍ من هذا النوع، يتمّ الانتقال سريعاً من البرهان إلى عالم السحر.
أخيراً، وعلى الأخصّ، حتّى مع هذا الرسم البياني المسطَّح، يمكن اكتشاف أنّ حصّة الأجور قد انخفضت بشكلٍ كبير ما بين ستينات القرن الماضي والتسعينات منه والعقد الأخير من سنوات الـ2000، أقلّه بخمس نقاط: وفي أدنى تقدير ممكن، تحوّل 100 مليار يورو حالياً من الأجور إلى الأرباح [فهل هذا فعلاً "تغيّر بسيط"؟
كما يرتكب هذا المشعوذ أيضاً أغلاطاً في الوقائع - لم يسجّلها قطّ زملاؤه في المهنة - يبدو أنّها هي أيضاً تسند طرحه: هكذا يكفي أحياناً من أجل الإقناع أن تكون الثقة بالنفس بحجم الكذبة. ففي 26 تشرين الأوّل/أكتوبر العام 2012، وفي نشرة الأخبار على تلفزيون فرانس 2، شرح لانغليه كيف أنّه في مجال النموّ الاقتصادي "تشرق الشمس دوماً من الغرب"، وذلك لأنّ "الولايات المتحدة تمثّل ثلث الاقتصاد العالمي". لكن حسب سلسلة إحصاءات صندوق النقد الدولي، يشكل الناتج المحلّي الإجمالي الأميركي فقط خمس الناتج المحلي الإجمالي العالمي: وقد بلغت نسبته في العام 2011، 19,1 في المئة مقابل 20,1 في المئة للاتحاد الأوروبي. النظر كثيراً إلى الشمس قد يتلف شبكيّة العين.
وفي 11 نيسان/إبريل 2012، وعلى محطة فرانس 2، أكّد هذا المذيع أنّ "الولايات المتحدة لا تعمد إلى طبع العملة". علماً أنّه من الصعب أن نجد عالم اقتصاد كي يؤكد أنّ الموجات الثلاث من عملية "التيسير الكمّي Quantitiative Easing التي قامت بها وزارة الخزانة الأميركية لا تعادل عمليّة تشغيل "لمطبعة دولار"، الكلمة التي أضحت فقط مجازيّة (لأنّه لم يعد هناك تقريباً أوراق نقدية، وأقلّ من "مكابس الطباعة"...). هذه الحقيقة لم تفت صحيفة لوموند - "إن "التيسير الكمي" هو عملية معروفة لدى المصارف المركزية، تقضي ببساطة أن يصار إلى تشغيل مكبس طباعة الدولارات وشراء سندات خزينة وغيرها" (في 3/11/2010) - أو صحيفة لي زيكو - "فلنختصر الكلام: إنّ الأميركيين يشغّلون مكبس طباعة الدولارات! وهذا ما يسمى تهذيباً: التيسير الكمي!"-. ويلي هذا الخطأ خطأ آخر إذ إنّ خبيرنا يضيف أنّ "كلّ الدول التي تطبع المزيد من العملة تعاني من معدلات تضخّم متصاعدة". إلا أنّ عدم وجود ضغوط تضخّمية في الولايات المتحدة بالرغم من ضخٍّ مكثفِ للسيولة من خلال عمليات التيسير الكميّ الثلاث، في آذار/مارس 2009، وتشرين الثاني/يناير 2010، وأيلول/سبتمبر العام 2012، يدحض هذا الطرح.
ولا يُمكن للانغليه أن يكون متخصِّصاً في كلّ شيء. وهذا ما يقوده أحياناً إلى منح نفسه بعض الحريّة في التلاعب بالحقيقة، وأن يتبنّى أفكاراُ مسبقة مغلوطة. فعلى شاشة تلفاز BFMTVتساءل، في 6 نيسان/إبريل 2011، عن الصعوبات التي تواجهها الشركات لإيجاد مشتغلين قليلو التأهيل: "يُمكن أن ينفر المشتغلون قليلو التأهيل من العمل من جرّاء مستوى الأجور التي لا تختلف كثيراً عن مستوى المساعدات الاجتماعية. وللأسف إنّ هذه الحالة هي أيضاً النموذج الفرنسي". ولطالما كانت هذه الصلة بين الرعاية العمل والتشغيل من أهمّ الحجج الليبرالية في إثارة مسألة وجود "ثغرة تدفع إلى الانكفاء عن العمل". لكن هناك العديد من الدراسات الإحصائيّة التي أسقطت هذه الفكرة المسبقة. فبحسب تحقيقٍ أجرته في العام 2009 وزارة المالية لدى سبعة آلاف مستفيدٍ من الحدّ الأدنى الاندماجي (للعاطلين RMI) ومن الحدّ الأدنى للنشاط (الذي يكمّل السابق ويحفّز على الشغل RSA)، ومن مساعدة الأهل الوحيدين ومن مساعدة التضامن الخاصّة، هناك فقط 4 في المئة ممّن شملهم التحقيق أعطوا سبباً لعدم عملهم اللا مردوديّة الكافية مالياً من العودة إلى الوظيفة. وبحسب الصندوق الوطني للمساعدات العائلية (CNAF)، لا تصل نسبتهم حتّى إلى الواحد في المئة.
ومن الأمثلة الأخرى: خفض عدد ساعات العمل. فما بين العام 2000 و2007 كتب لانغليه في كتابه الأخير، "من الذي سيدفع ثمن الأزمة Qui va payer la cris€"؟ (منشورات فايار، أيلول/سبتمبر العام 2012)، أنّ الظروف الملائمة قد أدّت كلّ من دول منطقة اليورو إلى "متابعة خطّ منحدرها الطبيعي": "الإسبان شيّدوا معامل إسمنت ومدن أشباح، والفرنسيّون خفضوا عدد ساعات العمل... وفي هذه الأثناء كان الألمان يعملون". ما من شكّ أنّ الألمان يعملون. لكنّ بنسبة 8 في المئة أقلّ من الفرنسيين كدوامٍ وسطي سنويّ وبحسب جهاز أرباب العمل COE-Rexecode، مع إنتاجيّة في الساعة أدنى بــــ... 17 في المئة
وفي بعض المناسبات، يلعب هذا المشعوذ دور النبيّ. ففي مقالٍ له نشر في مجلة لكسبانسيون في 30 أيار/مايو 1995، قال متغنِياً: "النموّ الاقتصادي: تحضّروا لثلاثين عاماً من السعادة". نقتطف منه: "سيكون الاقتصاد العالميّ على مشارف انقلابٍ مدهش يمكن أن يأتيه بعقدين أو ثلاثة من النموّ، وبقوّة شبيهة بقوّة "الثلاثين المجيدة". لكن بعد اثني عشر عاماً، في العام 2007، نشر لانغليه كتاباً تحت عنوان "أزمة الثلاثينات ستأتي أمام أعيننا La crise des années 30 est devant nous" (Perrin).
لكن قد يحدث أيضاً لرجلنا هذا أن يفاجئنا، كما عندما دعا إلى "الموت الرحيم لأصحاب الريوع" على موقع صحيفة لو فيغارو في 27 أيلول/سبتمبر 2010. ذاك لأنّ لانغليه ليس سيلفستر. فعلى عكس هذا الأخير، يقرّ لانغليه طوعاً بأنّ هناك "صراعٌ بين المكلّف بالضريبة، الذي يُحمَّل من الأعباء ما يخنقه، والممسك بالرأسمال الذي ما يزال حتّى الآن محميّاً وهذا وضع غير طبيعيّ" إلاّ أنّ خلاصته ستوقف شعر منافسه الأكبر: "أن ترغب في مكافحة البطالة دون التصدّي إلى العنصر الأساس الذي تشكّله التنافسيّة، هو كمن يرغب في قتل الدبّ ببندقيّة من البلاستيك" فهل المطلوب هو تعنيف أصحاب الربح وخفض الأجور؟ وصفة لانغليه هي شيء من هذا.