وتنذر العلاقة بين الصحفيين والحكومة بمزيد من التشنج والتوتر في ظل أزمة ثقة يقول الصحفيون إنها ناجمة عن "إرادة سياسية تسعى إلى تركيع الصحفيين وزع الخوف في صفوفهم لثنيهم عن أداء مهمتهم في إطار الشفافية" فيما تحاول الحكومة التخفيف من حدة التوتر من خلال بعض التصريحات التي لم تقدم للصحفيين سوى المزيد من "القلق" على مهنتهم وعلى هامش الحرية التي انتزعوها خلال العامين الماضيين.
ولا ينكر الصحفيون التونسيون أنهم نجحوا في توسيع هامش حرية ممارسة مهنتهم منذ الإطاحة بنظام الرئيس بن علي في 14 يناير 2011 وكسروا حواجز الصمت حول عديد القضايا التي تشغل اهتمام الرأي العام غير أنهم يشددون على أن هذا الهامش "بات مهددا بعديد من المخاطر قد تؤدي إلى انتكاسة في ظل هجوم صقور حركة النهضة على الإعلام الذي يعتبرونه معاديا للحركة وللإسلام السياسي بصفة عامة".
واغتنم الصحفيون الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة الموافق ليوم 3 مايو الحالي لينظموا صفوفهم في ما يشبه "خطة استراتيجية" للدفاع عن حقهم المشروع في صحافة حرة تنأى بنفسها عن محاولات الوصاية والضغط والانتهاكات والقمع والتركيع.
وبدأت "الانتفاضة" بمسيرة سلمية حاشدة انطلقت من أمام مقر نقابة الصحفيين لتجوب أهم شوارع العاصمة بما فيها شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة رمز الثورة التونسية لتتواصل الانتفاضة على صفحات الجرائد والبرامج الإذاعية والتلفزية.
وعكست الشعارات التي رفعها المتظاهرون مدى استعداد الصحفيين لـ"لجم الحكومة" كما كشفت حرصهم على رفض "السياسة القمعية التي تستهدف حرية التعبير".
ولأول مرة تسمع الحكومة الصحفيين يهتفون بصوت واحد "يا صحافي ثور ثور ضد الدكتاتور" و"الصحافة حرة حرة والرجعية على بره" وصحافة تونسية لا نهضوية" و"لا لتركيع الصحفيين" و"يا مواطن فيق فيق الحرية لي وليك" و"الصحافة سلطة رابعة لا طائعة ولا للنهضة تابعة".
ومن جهتها تقود وسائل الإعلام من صحف وإذاعات وقنوات تلفزية "انتفاضة" على حكومة النهضة محذرة إياها من "محاولاتها اليائسة لتدجين الإعلام وتجريده من استقلاليته وموضوعيته" مؤكدة أن "حرية الصحافة والتعبير خط أحمر" لا يحق للنهضة الاقتراب منه لأن "المساس به مساس بأهداف الثورة وبحرية التونسيين بشكل عام".
وتأتي "انتفاضة" الصحفيين ضد حركة النهضة الحاكمة ردا على مواقفها من الإعلام وسياساتها التي ترى في القطاع "إعلاما معاديا" لها "يستفرد به علمانيون فاسدون لا يضمرون الخير للحركة الإسلامية".
فقد هدد القيادي في حركة النهضة الحبيب اللوز الإعلام في كلمة ألقاها يوم غرة مايو بمناسبة الاحتفال بعيد العمال العالمي ملاحظا أنه "لم يعد من المقبول السكوت عن الإعلام الذي يتحامل على النهضة ويشوه صورتها".
وتوعد اللوز الصحفيين بأن "النهضة ستطالب الحكومة بوضع حد لما تقوم به وسائل الإعلام من مغالطات وتشويه وبمقاضاة من تجب مقاضاته".
ويعكس موقف اللوز المحسوب على التيار المتشدد في حركة النهضة موقفا عاما لدى الحركة التي تحاول الضغط على الصحفيين بل وتستعديهم حتى أنها لا تردد في وصفهم بـ"الفاسدين".
وكان رئيس الحركة راشد الغنوشي صرح في أكثر من مرة بأن "الإعلام هو حزب معارض" لحركة النهضة متوعدا بالتفويت بالمؤسسات الإعلامية العمومية" لأنها لم تساند مشروع النهضة.
وتقول نقابة الصحفيين التونسيين إن "السياسة الممنهجة التي تنتهجها الحكومة لتركيع الإعلام وتهميشه حتى لا يمارس دوره في كشف حقيقة الأوضاع المتأزمة في البلاد شكلت أرضية لعديد الانتهاكات التي لم يعد من الممكن السكوت عنها".
وقال أيمن الرزقي عضو المكتب التنفيذي للنقابة أن 196 صحافيا تعرضوا لاعتداءات خلال الفترة الممتدة من 3 مايو 2012 إلى 3 مايو 2013 أي ما يعادل 9 اعتداءات شهريا الأمر الذي اعتبره الصحفيون مؤشرا واضحا على تزايد الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في ظل غياب أية آليات أو مؤسسات تحميهم وتحمي حقوقهم وحرية ممارسة مهنتهم.
والأخطر من ذلك أن الحكومة لا تبالي بهكذا انتهاكات إذ تحول "الإفلات من العقاب والمحاسبة" و"التغطية الحكومية عليها" سببا رئيسيا يشجع الجناة على "استضعاف الصحفيين واستباحة حرمتهم الجسدية والمعنوية".
وأكد الرزقي خلال استعراضه لتقرير أعدته نقابة الصحفيين "أن المسؤولين السياسيين والأمنيين يقفون إما وراء الانتهاكات التي يتعرض إليها الصحفيون أو وراء التحريض عليها" حتى أن عددا من الصحفيين تعرضوا إلى "تهديدات بالقتل لأنهم أثاروا مواضيع حساسة مثل تهريب السلاح عبر الحدود وتفشي ظاهرة الإرهاب في البلاد".
وخلال الأسابيع الماضية تسلح الصحفيون التونسيون بشجاعة كبيرة وتحدثوا عن انتشار مخابئ الأسلحة في البلاد كما لم يترددوا في اتهام حركة النهضة بأن صمتها تجاه السلفية الجهادية هو الذي أدى إلى تغلغل عناصر القاعدة وجعل البلاد وكرا للإرهاب.
وأدت الانتهاكات التي تعرض إليها الصحفيون إلى اهتزاز صورة تونس التي تقود الربيع العربي في الخارج وخاصة لدى المنظمات غير الحكومية المعنية بحرية الصحافة وحرية التعبير .
ووفق التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود المعني بالبلدان الأكثر احتراما لحرية الصحافة تراجعت تونس بأربع نقاط لتحتل المرتبة 138 بعد أن كانت تحتل المرتبة 134 من جملة 179 بلدا.
وأرجعت رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين نجيبة الحمروني تراجع الحريات الصحفية وتزايد عدد الانتهاكات إلى "عقلية التعامل مع الإعلام التي هي عقلية قوامها الهيمنة عليه كما أن رجال السياسة أو الأمن لم يستوعبوا بعد أن الصحافة الحرة لن تقبل بالخضوع".
وتضيف الحمروني أن "سمة هذه المرحلة الانتقالية الحرجة تقوم على شيطنة الإعلام والصحفيين ما جعلهم ضحايا العقلية المرضية لمن يشيطنوهم من سياسيين وأمنيين".
وتؤكد أن "رجل السياسة لم يقبل إلى حد الآن التعامل مع الإعلام كسلطة رابعة مستقلة وإلى حد الآن تتواصل محاولات وضع اليد على قطاع الإعلام وخاصة العمومي وتوجيه الخط التحريري وهذا سيستمر طالما ظلت هذه العقلية الرافضة لتطبيق القوانين".
وترى الحمروني أن "الصدام سيتواصل بين الإعلامي من جهة والسياسي ورجل الأمن أو ما يسمى بالميليشيات من جهة أخرى" في إشارة إلى رابطات حماية الثورة التي تعتبر الذراع الميداني لحركة النهضة.
وإضافة إلى النقابة الوطنية لصحفيين التونسيين، أطلقت منظمات حقوقية ومدنية غير حكومية مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد العام التونسي للشغل وجمعية النساء الديمقراطيات صيحة فزع بأن حرية الصحافة والتعبير تهددها مخاطر حقيقية نتيجة فراغ قانوني من جهة ونتيجة إخلالات خطيرة تتضمنها مسودة الدستور التي هيمنت على صياغتها كتلة حركة النهضة بالمجلس التأسيسي.
ويقول أستاذ القانون الدستوري والخبير عياض بن عاشور أن مسودة الدستور تضمنت العديد من الأحكام المتناقضة مع مبادئ حرية التعبير المتعارضة مع المعايير الدولة وهو ما يعني أن هناك التفاف على مبدأ استقلالية الهيئات الدستورية المشرفة على الإعلام والقضاء وتجاهل الحكومة للنصوص القانونية المنظمة لقطاع الإعلام الأمر الذي أدى إلى نوع من الفراغ التشريعي.
ويقول الخبراء إن المقصود من الفراغ التشريعي هو "بناء إعلام قائم على الولاء السياسي والحزبي".
والأخطر من ذلك يشدد الخبراء الذين استعان بهم المجلس التأسيسي في مراجعة مسودة الدستور على أن هناك محاولات "إرادة سياسية لتضمين الدستور فصلا زجريا يجرم حرية التعبير ويحصن السياسيين والمسؤولين ضد النقد أو كشف الحقائق".
ويرجع الصحفيون التونسيون "نزعة تجريم حرية الصحافة" إلى أن "بعض الأحزاب السياسية الحاكمة تخطط للهيمنة على وسائل الإعلام ومن بين استراتيجياتها وهي تمضي في خطتها بخطى حثيثة وبإصرار على التحكم في وسائل الإعلام أو خلق وسائل إعلام أخرى تابعة لهذا الحزب أو هذا النظام لضمان إعلام الدعاية".
وكشفت نجيبة الحمروني أن مفاوضات النقابة مع السلطة التنفيذية خلال الفترة الماضية جعلتها تقتنع بأن هناك إصرار على ""ضمان يخول للحكومة التدخل حرية التدخل في أداء وسائل الإعلام من خلال الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري التي أعلن عن إنشائها مؤخرا رغم أن مهمتها تعديلية".
ويؤكد خصوم حركة النهضة من المعارضة والنشطاء الحقوقيين والشخصيات الوطنية أن "التضييق على حرية الصحافة" يعكس سياسة الحركة التي تخشى "الحرية والديمقراطية لأنها تتناقض مع مرجعيتها الدينية" مشددين على أن "الحرية كل لا يتجزأ" وبالتالي فإن استهداف حرية الصحافة هو استهداف لحرية الرأي والتعبير التي يناضل من أجلها التونسيون.
ويقول المحللون السياسيون والإعلاميون أن "انتفاضة" الصحفيين التونسيين مرشحة إلى مزيد من التصعيد في ظل نزعة حكام تونس الجدد إلى الهيمنة على قطاع أثبت أنه يمتلك من الجرأة ما يجعله قادرا على إحراج الحكومة من خلال تناوله لقضايا يفضل المسؤولون السياسيون التكتم عنها وفي مقدمتها فشل أداء أعضاء الحكومة وملفات علاقة الإسلام السياسي بتنظيم القاعدة وتسامح النهضة مع السلفية الجهادية التي تتصدر اهتمامات الرأي العام التونسي.