وحاولت الدراسة البحث في رصد التغيرات التي أحدثتها " صحافة المواطن" على الصناعة الإعلامية والإشكاليات التي تواجهها، إلى جانب رصد تقييم الجمهور لسمات ومعايير ثراء المضمون الإعلامي لصحافة المواطن، والتعرف على طبيعة الارتباط بين خصائص صحافة المواطن ودورها فى تشكيل المجال العام بين الشباب المصري.
واستعرضت الدراسة مراحل نشأة وتطور صحافة المواطن بداية من عدم الاعتراف بهذا الوافد الجديد على الساحة الإعلامية مرورا بالأحداث التي فرضت وجودها والاعتماد عليها في أوقات الطوارئ والأزمات وصولا إلى مرحلة تحول المشهد الإعلامي إلى مزيد من الاستعانة بها من قبل المؤسسات الإعلامية لتطوير الخدمة الإخبارية، بل وإدماجه ضمن أدواتها والتعاون بين الهواة والمحترفين على إنتاج وتداول الأخبار، مع ضرورة وضع ضوابط للحفاظ على قواعد العمل الصحفي المهني ،والتركيز على فئة الشباب باعتبارها شريحة هامة وقطاعاً فاعلاً في المجتمع المصري فهم أكثر الفئات ارتباطا من غيرهم بأي تكنولوجيا جديدة، وعادة هم أول من يتبنى التكنولوجيات الحديثة.
ولعبت نظرية الثراء الإعلامي دور في تفسير مدى ثراء الوسيلة الإعلامية وما تقدمه للجمهور من معلومات وإمكانيات ومزايا لاستخدامها، حيث يحدد الجمهور من خلال التجربة الوسيلة التي يستخدمها وفقا لهذه النظرية وأشكال الاستعمال للرسالة الاتصالية والتي قد تكون أحد أسباب الضغط لتغيير وتحديد طبيعة الرسالة الإعلامية التي ستقدمها الوسيلة ومدى تأثيرها في المجال العام .
وفي ضوء ذلك جاء التداخل والتكامل بين صحافة المواطن كأحد أدوات ووسائل التواصل الجديدة وبين دورها الذي قامت به في المجتمع من تأثير في إفراز فضاءات التشارك وأشكال النقاش في المجال العام .
وخرجت الدراسة بمجموعة من المؤشرات العامة التي تخص علاقة الشباب المصري بصحافة المواطن وتوصلت الدراسة إلى أن مواقع صحافة المواطن تتمتع بنسبة من المتابعة النسبية بين المبحوثين حيث احتلت المرتبة الأولى بنسبة 55%، يليها من يستخدمونها بشكل دائم (دائما ) بنسبة 25.5%، وأخيرا من يستخدمونها نادرا بنسبة 19.5% مما يوحي بأن هذا النموذج لم يعد مجرد حالة ترفيهية أو أداة للتسلية بل أصبح في صلب العملية الإعلامية.
واحتلت شبكات التواصل الاجتماعي المرتبة الأولى من تفضيل المبحوثين لأشكال صحافة المواطن بنسبة 89.5 % تلاها مواقع مشاركة المحتوى38.3% ثم مواقع تدوين الرسائل القصيرة26.5%، ثم بقية الأشكال بنسب متفاوتة وتؤكد هذه النتيجة على الدور بالغ الأهمية الذي لعبته وسائل الإعلام الاجتماعي كمصدر للمعلومات، ويرجع هذا التفوق الملاحظ إلى سرعة متابعة الحدث من خلالها وقت وقوعه مباشرة لحظة بلحظه واستخدام أبسط الوسائل التكنولوجية، فلم تعد مواقع الشبكات الاجتماعية نافذة للترويح ومعرفة أخبار الأصدقاء فقط، لكن تطويع هذه الشبكات الاجتماعية أخذ أكثر من شكل يسمح بإدماج مجموعة من الأفكار والآراء والمعلومات القريبة من واقع المجتمع، والتي تعكس في الوقت نفسه مشاكله وهمومه وتطلعاته.
وعلى الرغم من أن المواقع الإخبارية التساهمية تحظى بشهرة ومتابعة عالميا كأحد أبرز أشكال صحافة المواطن من خلال مواقع شهيرة مثل موقع "Ohmynews" الكوري، إلا أن هذا النموذج من خلال نتائج الدراسة لم يحظى بنسب عالية من المتابعة مقارنة بمواقع التواصل الاجتماعي ومواقع مشاركة المحتوى للعديد من الأسباب منها العدد الهائل من المستخدمين لهذه الوسائل إلى جانب حداثة العهد بهذه النوعية من المواقع في مصر والعالم العربي .
وتصدرت الموضوعات السياسية المضامين الإخبارية الأكثر متابعة بنسبة 68.3% وذلك نظرا للأحداث السياسية الأخيرة التي شهدتها المنطقة العربية ككل وما شهدتها مصر بشكل خاص وما تبعها من تغيرات متتالية في طبيعة الحياة السياسية في مصر ، وما نتج عن ذلك من إثارة العديد من القضايا الاجتماعية نظرا لما تمر به البلاد من مرحلة انتقالية فنشطت المطالبات الفئوية والإضرابات العمالية ومطالبات المنظمات الحقوقية بالمزيد من الحرية، وهذا ما يفسر النتيجة التي توصلت إليها الدراسة من حصول الموضوعات الاجتماعية على المرتبة الثانية من المتابعة بنسبة 55.5%، تلاها الموضوعات العلمية ثم الثقافية والأدبية بنسبة متقاربة 33.5%، حيث نمت الحركة الثقافية والأدبية على الإنترنت كمرادف للحالة الثورية التي يمر بها المجتمع المصري والعربي بشكل عام.
وحظت المواد الإخبارية في الدراسة على النسبة الأكبر من متابعة المبحوثين بنسبة 65.5% ومقاطع الفيديو والصور بنسب متقاربة مما يعد تماشيا مع تصاعد وتيرة الأحداث في مصر والمنطقة العربية مما جعل الحاجه ملحة لمتابعة الأخبار أولا بأول وقت حدوثها مدعمة بالصور ومقاطع الفيديو بصفتها أحد عوامل التأكد من صحة الأخبار المنشورة من خلال أدوات صحافة المواطن المختلفة .
وجاء دافع "البحث عن الأخبار والمعلومات" من خلال مواقع صحافة المواطن في مقدمة دوافع استخدام مواقع صحافة المواطن بنسبة 65.3%، حيث تمثل مواقع التواصل الاجتماعي لمستخدمين الإنترنت بشكل عام وللصحفيين بشكل خاص أحد الوسائل التكنولوجية التي يسرت لهم الحصول على الأخبار وجمع المعلومات بسرعة وسهولة وهو ما يفرض على كل صحفي متابعتها، فهناك العديد من الشخصيات العامة والسياسية تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي في التعبير عن مواقفها السياسية وآرائها لذلك نجدها في كثير من الأحيان تكون مصدر أساسي للأخبار مما يعد دليلا على أن الإعلام الشعبي المبنى على المواطن أسرع من الإعلام الرسمي في الوصول للخبر والمعلومة.
وحظت " الشبكات الإخبارية " بنسب متابعة متوسطة من المبحوثين حيث أن نسبة كبيرة منهم تتابعها بشكل جزئي بنسبة 60%، وقد حظت شبكة رصد الإخبارية (R.N.N) بأعلى نسب المتابعة بنسبة 57.8% كأبرز التجارب المعبرة عن ظاهرة صحافة المواطن، فقد استطاعت الشبكة الوصول إلى عشرات الآلاف من الباحثين عن أخبار مصر من خلال نشر الأخبار المرتبطة بالأحداث السياسية تثار بشكل يومي على صفحة الشبكة.
وتشير الدراسة الى تمتع صحافة المواطن بالعديد من معايير الثراء الإعلامي من خلال العديد من المؤشرات في مقدمتها "فورية وسرعة التغطية والنشر" كسمة أساسية حيث نجد السرعة والحالية في نقل الأحداث المختلفة وقت حدوثها من خلال مواطنين عاديين تصادف وجودهم في منطقة الأحداث وسرعان ما يتم رفع الخبر أو الصورة أو الفيديو وتبدأ تثار حوله النقاشات والتعليقات المتبادلة مما يخلق حالة من التفاعل تثيرها العملية الاتصالية مما يجعلها اكثر ثراء، إلى جانب "التفاعل مع القائم بالاتصال بالتعليق والرد على التعليق من صانع الخبر" الأمر الذى يشير إلى تدعيم معيار" الفورية وسرعة رجع الصدى " كأحد أبعاد الثراء التي تتمتع بها صحافة المواطن، كذلك معيار" اللغة الطبيعية" الذى يتوفر من خلال سهولة الأسلوب التي عادة ما يتم كتابة أخبار صحافة المواطن به باستخدام اللغة العامية وبأسلوب نقاشي.
أما معيار "تعدد الرموز" من خلال مؤشرات " تعدد الوسائط المستخدمة " صور، فيديو، صوت مؤثرات" رسوم تعبيرية وكاريكاتيرية ، حيث تتمتع صحافة المواطن بمستوى عال من التنوع في الصور والرسوم والموضوعات مقارنة بالوسائل الإعلامية الأخرى، وقد تعددت الرموز التي استخدمتها مواقع صحافة المواطن ما بين النص والصورة والفيديو والروابط الفائقة، وتكمن أهميتها في تسهيل نقل المعلومات بأشكال مختلفة أو من خلال نطاق واسع من التعبيرات .
"حرية التبادل" وتعنى توفير إمكانية أرشفة المعلومات والرسائل وتبادلها من شخص لآخر وكذلك القدرة على النسخ والطباعة والإرسال عبر البريد الإلكتروني مما يعد ذلك لمعيار "التسجيل الخارجى " كأحد أبعاد الثراء الإعلامي .
وتشير الدراسة الى معيار "ذاكرة حاسوبية معالجة " فنجده متوفر من خلال سهولة الرجوع إلى أي مادة خبرية من اختيار المبحوثين وهى سمة مصاحبة لشبكة الإنترنت بشكل عام وصحافة المواطن بشكل خاص وتظهر من خلال مؤشرات مختلفة فى الأنواع المختلفة من صحافة المواطن فنراها تظهر بشكل بارز فى مواقع التواصل الاجتماعي من خلال خاصية التايم لاين "time line" على موقع الفيس بوك حيث يتم ترتيب الأحداث والأخبار بشكل زمنى يمكن الرجوع إليه فى أي وقت ، وفى المدونات تبرز من خلال تصنيف التدوينات الأقدم موضوعيا وفق كلمات مفتاحية "tags" وفى المواقع الإخبارية التساهمية من خلال الأرشيف وتعد من السمات الاتصالية الثرية .
وأظهرت الدراسة انحسار الصفات السلبية في الجانب المهني لصحافة المواطن المرتبط بعدم الالتزام بالموضوعية فيما ينشر وعدم التجرد من الأهواء الشخصية وهذا مؤشر على أنه مازالت صحافة المواطن لا تحظى ببعض المعايير المهنية حيث جاءت (المصداقية – الموضوعية – عمق التغطية وشمولها ) في مراتب أخيرة وهى من الإشكاليات التي تواجهها صحافة المواطن .
وتؤكد الدراسة الى ان ظاهرة المواطن الصحفي لقيت قبولا حسنا باعتبار المواطن الذي ينشر خبرا على الإنترنت يوفر على الصحفي الوقت والجهد، كمصدر جديد للأخبار، ويبقى على الصحفي التأكد من صحة المعلومة ومعالجتها باعتبارها مكسباً لمهنة الصحافة وليس إقصاء للصحفي، في حين كان هناك تردد فى كونه يمثل (منافساً للصحفي– صحفياً) حيث أن المواطنين الصحفيين الذين انخرطوا فى الأحداث الإعلامية الجديدة ليسوا صحفيين محترفين في الحقل الإعلامي ولكنهم هواة لم يدرسوا الصحافة ولكنهم يمارسونها كمستخدمي لأدوات الإعلام الجديد.
وارجعت الدراسة دور المواطن الصحفي في نقل العديد من الأحداث الهامة التي عجزت وسائل الإعلام الرسمية عن نقلها نتيجة للعديد من الأسباب منها التعتيم وفرض الرقابة من الدولة و قطع الاتصالات فى حوادث كثيرة، على الرغم من ذلك هناك عقبات تواجه اندماج صحافة المواطن داخل كيانات الصحافة المهنية مثل المخاوف بشأن السمعة والثقة والمسائل القانونية.
واشارت الدراسة الى أن التليفزيون مازال يتمتع بنسبة عالية من المتابعة والثقة بنسبة 41.5% كمصدر رئيسي في الحصول على الأخبار، حيث انه احتل النسبة الأكبر من متابعة المبحوثين بنسبة تقارب الجرائد 38% ، فالتليفزيون وسيلة تعيد صياغة الرسائل الإعلامية المختلفة من كافة الوسائل من الصحف ومن الإنترنت بما يشمله من صحف إلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ويوصلها لعامة الناس فى داخل بيوتهم والدليل على ذلك أن كلا من الإذاعة والتلفزيون والصحيفة والإنترنت لم يؤثر أحدها في موقع الآخر بل على العكس من ذلك تحول الواقع الإعلامي نحو التكامل وهو ما يسمى "الاندماج الإعلامي- Media Convergence"".
واشارت الدراسة الى ان الثقة في المضامين المقدمة من خلال صحافة المواطن مازالت غير تامة مما يفسر القلق الذى حدث مع بروز صحافة المواطن والذى يعود إلى أن المعلومات الناشئة عن هذه الصحافة تكون أقل دقة وصحة نظراً لأنه قد لا يكون تم التثبت من صحتها وفق الأسلوب التقليدي الذي يعتمده المحررون في الصحف والتلفزيون، أو أنها تخضع إلى الأهواء الشخصية للمصدر.
وتستلخص الدراسة الى ان قوة صحافة المواطن على شبكة الإنترنت ترجع إلى عدم تلبية وسائل الإعلام التقليدية لاحتياجات الشباب من الأخبار والمعلومات واستمرار خضوعها لسياسات معينة بسبب العديد من العوامل منها الربح المادي إلى جانب التطور التكنولوجي الكبير والفضاء الافتراضي الذى ساعد على نمو هذا النوع من الإعلام .
