المقالات
«السحابة البشرية»... دائرة عمل جديد
من كهفه الإنساني، وهو غرفة مكتظة بالصناديق الكرتونية وعتاد الصيد في منزله الواقع في جزيرة رود آيلاند، يجني سَتّ سارْ الأموال من طريق السماح لشركة بتتبع حركة بؤبؤ عينيه بواسطة كاميرا جهاز الكمبيوتر.
سارة أوكونور
Sunday, November 15, 2015 - 11:45 AM
Views: 413
من كهفه الإنساني، وهو غرفة مكتظة بالصناديق الكرتونية وعتاد الصيد في منزله الواقع في جزيرة رود آيلاند، يجني سَتّ سارْ الأموال من طريق السماح لشركة بتتبع حركة بؤبؤ عينيه بواسطة كاميرا جهاز الكمبيوتر. وعلى بعد 10 آلاف ميل، يلجأ أدي ناغار الى غرفة نومه المكيفة في جاكارتا هرباً من القيظ. ويعد أدي بحثاً في احوال الصناعة الإندونيسية نزولاً على طلب شركة استشارات. وعلى رغم ان أدي وستْ ينجزان اعمالاً متباينة لقاء مبالغ مختلفة انطلاقاً من اماكن متباعدة من العالم، يجمعهما الانتماء الى «السحابة البشرية» المتصلة بالشبكة الإلكترونية.
ويرى اصحاب العمل ان السحابة البشرية هي سبيل جديد الى تحريك عجلة العمل. فتقسم الوظائف المكتبية، وظائف الياقات البيضاء على نحو ما تسمى، الى مئات المشاريع والمهمات، ثم تنثر في السحابة الافتراضية التي تجمع عمالاً متصلين بالإنترنت من أصقاع المعمورة يرغبون في العمل.
وبعض هذه الأعمال أو المهمات بسيط مثل البحث عن رقم هاتف على الويب، أو طباعة بيانات في جدول على الشاشة او مشاهدة فيديو في وقت ترصد كاميرا حركة العين. وبعض هذه الأعمال مركب ومعقد على غرار إعداد جزء من شيفرة أو انجاز مشاريع استشارية قصيرة الأمد. ومثل هذه الأعمال ليس وظيفة بل حلقة من حلقات مشاريع تنجز من بعد ونزولاً على حركة طلب عمال مستقلين. وفي 2014، سدد اصحاب العمل تباعاً 2.8 بليون دولار و3.7 بليون دولار لعمال على الخط وللمنابر أو المنصات الإلكترونية التي تؤدي دور الوسيط بين السحابة البشرية وأرباب العمل.
ويعتقد مديرو المنصات الإلكترونية وغيرهم ان العالم هو على قاب قوسين من ثورة عمل مرنة - فالسحابة الإلكترونية تبدّد شح الكفاءات والمهارات وتخفف وطأة البطالة وتساهم في نشوء طبقة كفاءات عالمية تكافئ العاملين فيها على انتاجهم اينما كان مكان إقامتهم ومهما كان تعليمهم وجنسهم وعرقهم. «وما يحدث اليوم هو إمساك الناس بوسائل الإنتاج. فالواحد منهم لا يحتاج الى غير جهاز كمبيوتر وقدرات دماغه واتصال بالواي فاي (شبكة الإنترنت) ليعمل... وهذه الحال كانت لتثلج قلب كارل ماركس»، يقول دنيس بينل، مدير الإدارة في سيت، منظمة دولية لدعم وكلات التوظيف الخاص. والطاعنون في الفائدة المرجوة من السحابة البشرية يتوسلون كذلك بأعلام تاريخية في نقدها، فيدور كلامهم على اغتراب العمال وراء خطوط الإنتاج وليس على حرفيين سعداء. وهؤلاء يرون أن السحابة البشرية هي نظير الغرب المتوحش، وهي مؤتلفة من متاجر منفلتة من عقال القوانين والقواعد الناظمة، تطيح قطاع الخدمات وتحيله إلى الأجزاء التي يأتلف منها فحسب. «وهذه السحابة تفاقم ما تناوله آدم سميث (1723-1790، فيلسوف ورائد في الاقتصاد السياسي) حين كلامه عن تقسيم العمل وصناعة الدبوس، وتساهم في بروز إطارات عمل غير مستقرة وثابتة»، يقول غي ستاندنغ، اكاديمي تناول العمل الهش، أي الذي لا يوفر سبل عيش كريم.
ومكانة المرء في سلم تراتبية العمل تؤثر في الرأي السلبي أو الإيجابي في السحابة البشرية. فينظر اليها على انها أقرب الى يوتوبيا (عالم المُثل) تارة، أو الى الديستوبيا تارة أخرى. فعلى سبيل المثل، التحق سارْ- وهو شاب في التاسعة والعشرين من بروفيدنس الأميركية يعمل في أدنى سلم الوظائف، بالسحابة البشرية بواسطة موقع «أمازون ميكانيكل تورك». والموقع هذا يستقبل طلبات ارباب عمل يتوجهون الى من يسمون «توركرز» (موظفين على الخط)، ويسألونهم انجاز مهمات أو اعمال مجهرية يبدو أن براعة البشر تفوق براعة الكمبيوترات في انجازها، على غرار نقل محتوى شريط صوتي الى الدائرة المكتوبة، وتعبئة استمارات أو تذييل صور بكلمات مفاتيح. وإذا سار يوم العمل على خير ما يرام، يتقاضى سارْ 5 الى 7 دولارات في الساعة لقاء مثل هذه الأعمال. ولكن أمازون رفعت نسبة الرسوم التي تتقاضاها لقاء نشر الطلبات وإدارتها الى 20 في المئة من رواتب العاملين، فانحسر عدد الطلبات، وانخفضت العائدات. «اليوم، ارتفعت وتيرة المنافسة مع غيري من العمال. ووقعتُ على موقع اسمه «ستيكي كراود»، يدفع لي دولاراً لقاء تتبع حركة عيني لدقيقتين او ثلاث دقائق حين اتصفح صفحات انترنت او مشاهدة فيديو. ويشتري المعلنون هذه البيانات وتتناول دراساتهم ما يستوقفني وأمثالي على موقع إلكتروني وما اتجاهله ويتجاهلونه»، يقول سارْ.
وفي أعلى سلم العمل، ثمة منصات إلكترونية مثل «آبورك» و»فريلنسر» و»بيبول بير آور»، يقتضي العمل فيها كفاءات عالية تنصرف الى تدقيق لغوي أو تصميم برمجيات كمبيوتر. و»آبورك» هي عملاق السحابة البشرية، فهذه الشركة حولت بليون دولار العام الماضي الى الموظفين فيها والعاملين، واقتطعت من المبلغ هذا 10 في المئة. وتتوقع الشركة أن يبلغ حجم اعمالها في السنوات الست المقبلة 10 بلايين دولار.
ويدعو مثل هذه المواقع العمال او الموظفين الى «المزايدة» على اسعار الأعمال المعروضة: الإعلان عن تقليص وقت انجاز العمل وكلفة الإنجاز السريع. وثمة مواقع تدفع لقاء ساعة العمل. وعلى سبيل المثل، يعرض احد المواقع خدمة كتابة 400 كلمة في مدونة إلكترونية في ثلاث ساعات، لقاء 45 دولاراً. ويقيِّم كل من اصحاب العمل والعمال أداء بعضهم بعضاً من طريق منحهم عدداً من النجوم على ما يحصل في مواقع مثل «إربينبي» و»إيباي». والسمعة في هذه المنصات الإلكترونية يعتد بها. فمنصات السحابة البشرية هي الجسر بين ارباب عمل وعمال ينجزون اعمالهم على احسن وجه.
ويتقاضى المستشارون في منصات إدارة الأعمال بين 383 دولاراً و7364 دولاراً مقابل يوم عمل. وناغارا، ابن الثلاثين سنة، هو أحد مستشاري مثل هذه المنصات. وهو ترك عمله في بنك استثماري استرالي في استراليا وعاد الى اندونيسيا. وعائداته عن يوم العمل على الخط تفوق راتبه في البنك، ولكنه خسر ضمانات الوظيفة الثابتة والكاملة الدوام. ولا يفهم والداه تخليه عن هذه الضمانات.
وكثير من العاملين في هذه المواقع من الشباب الساعين الى عائدات اكبر. ولكن اصحاب الخبرات الطويلة يلتحقون كذلك بهذه المنصات. فعلى سبيل المثل، عرضت وكالة الفضاء الأميركية، «الناسا»، مبلغ 20 ألف دولار على من ينجح في اكتشاف نظام حسابي يتنبأ بالانفجارات الشمسية. وفاز بالمبلغ مهندس راديو متقاعد.
ويتعثر عالم السحابة البشرية بمشكلة شائكة سبق ان تعثر بها تطبيق «اوبير» لخدمات سيارة الأجرة. وهي الحدود بين العامل المستقل والموظف صاحب الحقوق. ومنصات السحابة البشرية تعتبر ان العاملين في «رحابها» مستقلون.
وعليه، لا يترتب عليها التزام دفع راتب الحد الأدنى ولا تسديد الضرائب عنهم ولا منحهم إجازات مرضية مدفوعة. واضطرت منصة «كراودفلاور» في 2014 إلى دفع تسوية قدرها نصف مليون دولار الى عمال أعلنوا أنهم موظفون وطالبوا بتقاضي الحد الأدنى. والأنظمة القانونية في بلدان كثيرة عاجزة عن اللحاق بركب أشكال العمل الجديدة وتفتقر إلى تشريعات.
* مراسلة شؤون فرص العمل، عن «فايننشل تايمز» البريطانية، 8/10/2015، إعداد م. ن.