Breaking
ADVERTISEMENT
المقالات

العالم ليس قرية

يوما مّا خُيّل إلى البعض أن الوصول إلى كل مكان وكل شيء صار ميسّرا بفضل تطور وسائل النقل والاتصالات وأن العالم سيكون صغيرا مثل قرية. لم يضع ذلك البعض في حسابه أن الوضع البشري سيزداد كآبة بسبب الحروب وسياسات الإقصاء والعنصرية والفقر والحرمان والتمييز وأن البشرية كلّما ردمت فجوة انفتحت أمامها عشرات الفجوات وأن الأمل سيظل سلاحا مترددا في مواجهة قوى الشر التي تكتشف في كل يوم سببا لحروبها التي أقصت أمما كانت ذات يوم صاحبة حضارة.

العالم ليس قرية
Click to enlarge
ADVERTISEMENT

ومثلما بشّرت التقنيات الحديثة بالعالم القرية فإنها في الوقت نفسه أحالت شعوبا كثيرة إلى الهامش بحيث لم يعد لها دور في بناء الحضارة الإنسانية. هي شعوب فائضة وهو تعبير واقعي فيه الكثير من القسوة.

هناك اليوم أقليّة تتمتع بالثراء هي التي في إمكانها أن ترى العالم قرية أما الأكثرية فإنها أُحيلت إلى قراها التي أصبحت عوالم شاسعة مغلقة.

صار قرية فعلا لمَن يتناول فطوره في هونغ كونغ وغداءه في دبي وعشاءه في نيويورك. ولكن ما عدد أولئك الذين يستطيعون أن يفعلوا ذلك مقابل الملايين التي تضيع إذا ما وضعت أقدامها خارج حدود قراها؟

ADVERTISEMENT

أما وسائل الاتصال الاجتماعي فإن العالم الافتراضي الذي فتحت أبوابه للبشر كان نوعا من الفضاء الأسطوري الذي عاد بالبشر إلى عصر ما قبل العلم لما يكتنفه من حكايات زائفة ووشايات مفبركة وأخبار ليس لها نصيب من الصدق.

إذا أردت أن تضلّل أحدا وتشوّش قدرته العقلية فادعه إلى زيارة سريعة في العالم الافتراضي.

هناك سيرى المرء أن العالم الذي أوهم الكثيرين بأن العالم الواقعي صار قرية لا يمنح سمة دخول إلى تلك القرية وأن المسافة بين المرء وتلك القرية ملغومة بالنوايا السيئة التي تهبها عصابات الغش والاحتيال والنّصب والسرقة إطارا عابرا للقارات بحيث يشعر المرء الذي يقع في شباكها كما لو أنه يسافر في الزمن. وهو ما يعني أن ذلك المرء لا بد أن ينقطع عن عالمه الواقعي ويصدق أن كل شيء صار في متناول يديه من غير أن يقدر عمليا على مغادرة قريته التي هي عالمه.

وهنا يكمن مفهوم الإنسان المزدوج. ذلك الإنسان الذي يعبّر في حالة عجزه عن خيال سوبرمان الذي هو عبارة عن أسطورة على الورق. وهو ما يعيدنا إلى خيال القصص المصورة. يومها لم يكن الحديث عن العالم الذي سيكون قرية إلا نوعا من الخيال العلمي. ولكنه الخيال الذي تمتّعت بثماره الأقلية في ما بعد وحُرمت منه الأكثرية.

Print Article Send to Friend Add Comment
ADVERTISEMENT

Reader Comments

Share Your Opinion