المقالات -
البعد السيبراني في الصراع الروسي-الاوكراني

: 983
الاربعاء,14 يونيو 2023 - 02:11 م
د.عادل عبد الصادق *

دخل المجال السيبراني مجريات الحرب الروسية –الأوكرانية التي اندلعت في 24 فبراير 2022 ،وعلى الرغم من تفاوت القوة السيبرانية بين روسيا وأوكرانيا الا ان الأخيرة لقيت دعما غير مسبوقا من قبل الغرب لتعزيز قدراتها ،وشهدت الحرب تصاعد أنماط جديدة مثل استخدام الطائرات بدون طيار والعملات المشفرة والأقمار الصناعية الى جانب بروز نمط الحرب السيبرانية"الناعمة" مقابل نمط الحرب "الصلبة" ، وهو الأمر الذي أثر في وتيرة العمليات الميدانية ،وتنامي تطبيقات الحرب النفسية ، ودخول فاعلين من غير الدول في النشاط غير العسكري ، وكان لتلك التطورات اثرها في إطالة أمد الحرب وفي إحداث تغيرات جيوبلوتيكية للمجال السيبراني في منطقة الصراع ،من جهة ، وتعزيز دور التدخل الخارجي في سير العمليات القتالية من جهة اخرى ، وهو ما يعكس تنامي القوة السيبرانية في هيكل النظام الدولي وفي صعود قوى جديدة تحاول إزاحة الولايات المتحدة كقطب أوحد في النظام الدولي .

البعد السيبراني في الصراع الروسي-الاوكراني
اضغط للتكبير

أولا- بناء التوتر السيبراني بين روسيا والغرب السابق للازمة

تحول الفضاء السيبراني إلى منصة للاستحواذ على القوة والأسواق والأرباح، وهو الامر الذي  دفع إلى بروز تنافس دولي معقد يجمع بين التعاون والصراع وما بين الحرب والسلام ، ولا يمكن تفسير الصراع السيبراني بين روسيا والغرب بمعزل عن  طبيعة تبنها لعقيدة مناهضة لدور حلف الناتو ،والذي يراه الروس من مخلفات الحرب الباردة، وانه كان يجب علية إن يحل كما حلف وارسو ، وان وجود الحلف وبقائه هو احد أسباب عسكرة العلاقات الأوربية– الروسية .ويقدم الاتحاد الروسي  نموذج للتوسع والتمدد بشكل أكثر قوة استنادا على الهوية الروسية بما يجعله أكثر تماسكا في مواجهة الاتحاد الأوربي،وان هناك ثمة محاولة أمريكية لتهديد المصالح الحيوية لروسيا إما في محاولة التواجد في المحيط الاستراتيجي  لها في أسيا الوسطى ، أو  محاولة  توظيف الاتحاد الأوربي وحلف الناتو  في الحد من الصعود الروسي .

وهو ما دفع روسيا إلى القيام بإجراءات وسياسات في مواجهة تلك التهديدات إما محاولة التدخل في صنع السياسة الأوربية أو عبر التدخل السيبراني في محاولة لإضعاف الخصم الأوربي ، وتم توظيف الفضاء السيبراني في دعم علاقات في العمق الأوربي، وتقديم التمويل لأحزاب يمينية أو يسارية  تتبنى أفكاراً متطرفة ، وتم الكشف عن علاقات روسية بـ"الجبهة الوطنية" في فرنسا، وحركة "النجوم الخمس" في إيطاليا، وحزب "جوبيك" اليميني العنصري في المجر ،وكان لروسيا دور في  دعم تيار "بريكست"للخروج البريطاني من الاتحاد الأوربي ، ومن ثم اضعافة ،والتدخل في استفتاء الخروج في 2016. 

وتجدد الخلاف بعد انضمام دول البلطيق الثلاث إلى حلف الناتو والاتحاد الأوربي ، وفتح الباب لانضمام دول غرب البلقان للاتحاد الأوربي .وانضمام فلندا والسويد إلى حلف الناتو .

وهو الأمر الذي فاقم القلق الروسي ودفعها للقيام بتدابير مضادة ، سواء دبلوماسية أو استخباراتية ، والتدخل السيبراني للتأثير على النظم السياسية والانتخابية في أوربا ،وكذلك بالتدخل في الانتخابات الامريكية والتي جاءت بترامب الأكثر اعتدلا في التعامل مع روسيا عام 2016 ، وهذه التدخلات ما كان لها إن تحدث بهذه الوتيرة وردود الأفعال حولها بدون المجال السيبراني .

ومن جهة أخرى نجح الرئيس بوتين في إحكام قبضته على الداخل الروسي في مواجهة "أوربا الضعيفة" .وتوجيه ضربة استباقية لجهود أمريكية وأوربية لضم أوكرانيا للحلف الناتو والاتحاد الأوربي. .وما خلا ذلك التوتر من توظيف  التهديدات السيبرانية في الصراع الروسي – الاستوني عام 2007 والجورجي  عام 2008  والاوكراني عام 2015 حين تعرضت لهجمات سيبرانية قطعت التيار الكهربائي عند ربع مليون أوكراني ،وذلك على اثر الصراع أنذالك حول ضم جزيرة  القرم إلى روسيا .

وفي يونيو 2017، استخدمت روسيا البرامج الضارة (المعروفة باسم "NotPetya") عبر الشبكات الأوكرانية.الامر الي ادى الى اغلاق أجهزة الكمبيوتر في البنوك والصحف وشركات الكهرباء والسكك الحديدية الوطنية والخدمة البريدية ووزارة الصحة،بالاضافة الى استهداف منشأة نووية، وهو ما اثر على نحو يزيد على 10? من جميع أجهزة الكمبيوتر في أوكرانيا وإصابة  300 شركة أوكرانية.وأصبح لذلك تاثيرات عابرة للحدود في 60 دولة اخرى . وما بني عامي 2017 و2019 تكررت الهجمات الروسية على نحو وتيرة منخفضة ، ووفي عام 2020 تم توجيه الاتهام لروسيا بالوقوف وراء هجوم،SolarWindsوالذي أصاب آلاف من الشركات والهيئات عالميا، ومنها الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة.

واتهم الغرب روسيا مرارا باستخدام المجال السيبراني في زعزعة استقرار الحكومات والمؤسسات ، وتعزيز حالة الانقسام السياسي عبر التدخل في الانتخابات الأوربية، أوفي دعم خروج بريطانيا من الاتحاد الاوريي ،او عبر دعم احتجاجات سائقي الشاحنات في كندا ، وتصعيد التوترات العرقية واقتحام  الكونجرس بالولايات المتحدة قبيل تسليم ترامب للسلطة،وفي ظل اتهام غربي لروسيا بانتهاج سلوك عدواني لإحداث الاضطرابات المجتمعية والتي تصب في صالحها .

وأدرجت الولايات المتحدة  21 كيانا و13 فردا على لائحة العقوبات، ومنهم 10 أفراد و17 كيانا متورطون في شبكات التهرب من العقوبات لناحية شراء التكنولوجيا الغربية.وهو ما يعني إعاقة وصول روسيا إلى التكنولوجيا الغربية والنظام المالي الدولي.

تطالب العقيدة الروسية،"السيبرانية الهجومية" افتراضيًا، بدمج العمليات الإلكترونية بشكل كامل في كل من حملات المعلومات الإستراتيجية والعمليات العسكرية واسعة النطاق. وبالتالي، فإن مثل هذه العمليات الإلكترونية هي ذراع لآلة الدعاية الروسية ووسيلة لانتاج ونشر المعلومات المضللة الى جانب كونها أداة لتعطيل البنية التحتية الحيوية للخصم أو قدراته العسكرية.

وتستهدف العمليات السيبرانية الروسية اكراه الدولة ألاخرى لتحقيق اهدافها دون الحاجة إلى اللجوء إلى القوة المسلحة، ،وأضافت روسيا إلى ذخيرتها المألوفة للعمليات السيبرانية مجموعه من البرامج الضارة والمدمرة لتعطيل أجزاء من بنية أوكرانيا التحتية الوطنية الحرجة.وذلك على الرغم من عدم توظيف الهجمات السيبرانية الروسية على نطاق واسع في تعطيل البنية التحتية المعلوماتية في اوكرانيا.

ثانيا :النشاط العدائي السيبراني بعد بدء الحرب الأوكرانية

 تم رصد الحشود العسكرية الروسية بالأقمار الاصطناعية،والتنبؤ بموعد شن الحرب الروسية ضد أوكرانيا  في فبراير 2022.وساعد ذلك قيام طرفي الصراع في مرحلة ما قبل الغزو في استحضار وتجهيز فروع الجيش السيبراني وبخاصة مع التفوق الروسي النسبي ، وهو ما دفع الرئيس الأوكراني لطلب متطوعين في مجال القرصنة والأمن السيبراني ، ومن جهة أخرى بدأ يتصاعد دور المتعاطفين مع طرفي النزاع عبر الحدود ليتم تشكيل جيش سيبراني عبر الحدود يمارس أعمالإما مساندة للأعمال الحربية أو من القيام بالاختراق والحصول على معلومات يتم توظيفها في الصراع السياسي والإعلامي ، ولعل ابرز مثال على ذلك قيام قراصنة روس بنشر خريطة توضح المعامل البيولوجية التي تدعمها الولايات المتحدة عبر العالم وبما فيها أوكرانيا ، وعلى أساس ذلك تم توجيه اتهامات بمساعدة أمريكية لتطوير أسلحة بيولوجية في أوكرانيا ومن ثم إعطاء مبرر جديد للحرب.

ومع اشتعال الحرب الأوكرانية – الروسية تحول المجال السيبراني إلى ساحة جديدة للصراع بين الدولتين عبر شن هجمات متبادلة .وشهدت الأسابيع الثلاثة الأولى وتيرة متصاعدة  للتهديدات السيبرانية،ثم شهدت حالة تباطؤ في بداية شهرابريل 2022 ،وتم توجيه الاتهامات لوكالة الاستخبارات الروسية بالوقوف وراء تلك الهجمات والتي انطلق جزء منها خارج حدود أوكرانيا وبالتحديد ضد التحالف الغربي ضد روسيا،وتتمتع روسيا بقدرات صاعدة في مجال القوة السيبرانية وهو مايجعلها اكثرتفوقا ليس فقط مقارنة باوكرانيا بل بالعديد من دول العالم الاخري.

وكان من ابرز تلك الاعتداء في اليوم الأول للحرب بتعطيل الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية في أوكرانيا والى جانب  الهجمات على المواقع الحكومية الأوكرانية ، وهو الأمر الذي يكشف إلى إن جزء كبير من القدرات السيبراني الروسية لم تكن متطلعة على خطة الغزو ، وثقة الرئيس بوتين بان التفوق العسكري التقليدي سيمكنه من حسم المعركة سريعا ، ورغبة روسيا في الإبقاء على سلامة البنية التحتي السيبرانية في أوكرانيا كتمهيد للسيطرة عليها، ومن جهة أخرى تم التعويل على خطة ضرب حلفاء أوكرانيا سيبرانيا استنادا على الدعم الخارجي من القراصنة الروس أو المتعاطفين ، أنَّ روسيا ربما تكون قد اخترقت بعض الشبكات، مثل نظام الاتصالات الأوكراني، واستعملتها مصدرًا للمعلومات الاستخباراتية.وأدركت روسيا بأنها لا تملك شبكات تواصل اجتماعي منتشرة خارجيا يمكنها إن يتم توظيفها في الحرب النفسية ونشر المعلومات المضللة المساندة للأعمال الحربية.[1]

وتصاعدت المخاوف الغربية  بشان قيام روسيا بشن هجمات إلكترونية محتملة ضد البنية التحتية الحيوية لأهداف غربية، مع إمكانية تنفيذ هجمات مضادة ليتحول الأمر إلى ما يشبه الحرب السيبرانية المفتوحة بين الجانبين.وتحالف العديد من قراصنة الإنترنت مع الأطراف المتحاربة.وتم شن هجمات متفرقة من جانب تلك الجهات غير المدعومة من الحكومات ضد جهات مرتبطة بـ "العدو".

ويأتي ذلك مع توافر غطاء سياسي يتمثل في إن تأتي تلك الأنشطة السيبرانية العدوانية ردا على العقوبات الغربية من جهة، وفي مقابل الدعم ألاستخباراتي والعسكري من قبل الولايات المتحدة وحلفائها لأوكرانيا من جهة أخرى.

ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير، سعى الكرملين إلى تقييد التدفق الحر للمعلومات بشكل كبير عبر الإنترنت، حيث أمر مكتب المدعي العام مزودي خدمة الإنترنت المحليين بحظر أكثر من 17700 موقع. كان للقيود تداعيات اقتصادية كبيرة على البلاد، حيث كلفت كتل وسائل التواصل الاجتماعي الاقتصاد ما يقرب من 9 مليارات دولار

نتيجة للكتل المنتشرة على نطاق واسع، يتحول الروس بأعداد متزايدة إلى خدمات VPN، على الرغم من القيود الرسمية المفروضة على استخدامها في البلاد. تجاوز الطلب اليومي على الشبكات الافتراضية الخاصة المستويات التي كانت أعلى بنسبة 2000% مما كانت عليه قبل الغزو.

وفي 22 مارس 2022 حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن روسيا من قيامها باستعراض "خيارات" شن هجوم سيبراني على البنية التحتية للولايات المتحدة، رداً على العقوبات الغربية المفروضة عليها.وان لدى الولايات المتحدة معلومات استخباراتية تكشف نية روسيا التخطيط لمثل تلك الهجمات ،وان على القطاع الخاص توخي الحذر ،وذلك مع دوره في عمل البنية التحتية وقدرته في الأمن السيبراني ،والمساعدة في مرونة الخدمات الرقمية والتقنيات الحيوية التي يعتمد عليها الأمريكيون

وتحركت الدول الغربية لدعم أوكرانيا عسكريا وتقنيا وكان من ابرز ذلك تقديم خدمات شركة "ستارلينك" لتوفير الانترنت عبر الأقمار الاصطناعية لضمان سرية الاتصالات العسكرية الأوكرانية،[2]ودعم عمل الطائرات من دون طيار والتي لا تعتمد  فقط على المحطات الأرضية بل تعتمد كذلك على الانترنت الفضائي من محطات "ستارلينك" المتنقلة.

وقدمت شركة "ميتا"  معلومات حول التكتيكات التي يتبعها قراصنة مرتبطين بروسيا وبيلاروسيا  لاستهداف الجنود والمدنيين الأوكرانيين، والتي من ضمنها  الظهور كصحافيين ومنافذ إخبارية مستقلة عبر الإنترنت، ومحاولة اختراق عشرات حسابات الجنود الأوكرانيين ، وإزالة منشورات تنتقد روسيا و نشر المعلومات المضللة عن الحرب .

وامتدت عملية توظيف الساحة السيبرانية في المواجهة العسكرية بين روسيا وأوكرانيا  بما في ذلك الطائرات بدون طيار والتي تعمل وفق نظم تشغيل سيبرانية ، وتوظيف الأقمار اصطناعية في الكشف عن تقدم القوات الروسية .

وقدمت الدول الغربية مساعدات أخرى غير عسكرية في مجال الدفاع السيبراني وفي المعلومات الاستخباراتية ،وقيادة حملة إعلامية عبر المنصات الرقمية لاختراق الداخل الروسي وتكوين رأي عام معادي للحرب وللرئيس بوتين .في 24 مارس 2022 ،قامت الولايات المتحدة أيضا بإدراج أربعة أفراد لتورطهم في أنشطة سيبرانية خبيثة، بعد إن وجهت لهم وزارة العدل لائحة اتهام ضدهم .[3]

وأعلنت الولايات المتحدة تحميل المسئولية وراء الهجمات السيبرانية للرئيس بوتين ،واتهمته بالسعي لزعزعة الاستقرار للولايات المتحدة وحلفائها .وقام وزير الخزانة الامريكي بتجديد العقوبات ضد الاقتصاد الروسي وفقا للمادة 1(أ)(1) من الأمر التنفيذي رقم 14024. والتي تتيح  فرض عقوبات على أي فرد أو كيان يثبت  أنه يعمل أو سبق له أن عمل في أي من القطاعات الجوية والبحرية والسيبرانية .

واتخذت المزيد من الإجراءات ضد  التهرب من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها وشركاؤها..[4]وفرض عقوبات على الشركات التقنية التي تقدم أو تتورط في  "دعم للبرنامج السيبراني لأجهزة الاستخبارات الروسية، بدءًا من تقديم الخبرة إلى تطوير الأدوات والبنية التحتية إلى تسهيل الأنشطة السيبرانية الخبيثة.

قامت روسيا بحجب 3470 موقع الكتروني من الولولج الى الداخل ، وشملت مواقع الشبكات الاجتماعية والخدمات الاخبارية لشبكة البي بي سي وجوجل وغيرها ، وتم حجب 1,014 اسم نطاق اوكراني ، و2783 موقع الكتروني خبري شملت 588 موقع اوكراني ، 166 موقع خبري روسي منها 45 موقع خبري مستقل ، و15 اذاعة عالمية ، و177 موقع خبري اجنبي تعمل في اوكرانيا وروسيا ، وفيما يتعلق بالمواقع والمنصات التي اعتبرت مقاومة للغزو الروسي قامت روسيا بحجب 522 اسم نطاق شارك في دعم الجهود الرقمية لاوكرانيا المعادية لروسيا ، وشمل ذلك 252 اسم نطاق يرتبط بقراصنة ، ويحمل رسائل دعائية ، 117 موقع يقوم بنشر صور المدنين والجرحي من الجيش الروسي ، و59 موقع قام بمساندة اوكرانيا ونشر محتوى مساند ، وحجب 30 موقع لمنظمة مجتمع مدني وشملت منظمة العفو الدولية ، ومنظمة هيومن رايت واتش ، و13 منظمة حقوقية اوكرانية وغير ربحية .وقامت روسيا بحجب 19 اسم نطاق حكومى منها موقع الرئاسة الاوكرانية

ثالثا  : مصادر القوة السيبرانية –الاوكرانية في الصراع 

ارتكزت أوكرانيا على تبني استراتيجيات الدفاع و الهجوم السيبراني، واستخدام الدعاية النفسية والسياسية والعسكرية ، واعتمدت على برامج إعداد الكوادر الأساسية والاحتياطية التي تتولى إدارة هذه المنظومة ، وعملت على بناء جهاز ضخم لرصد وإنتاج المحتوى بما يتلاءم مع التطور على المستوى الميداني ، والاستفادة من خبرة  معركة القرم عام 2014 في التعامل مع الغزو الروسي عام 2022 ، ومواجهة العمليات الروسية حيث تعرضت الشبكات الروسية الخاصة لضغوط كبيره.

وعلى مستوى العلاقات الخارجية تم التقدم بشأن :

اولا : تعزيز الأمن السيبراني بمساعدة من الاستخبارات  الأمريكية والوكالات المعنية بالأمن السيبراني الى جانب دعم المملكة المتحدة ، واستثمرت الولايات المتحدة بشكل كبير في بناء قدرة ومرونة الأمن السيبراني الأوكراني  قبل الغزو الروسي.وفي  ديسمبر 2021 تم إرسال خبراء لتنسيق العمليات السيبرانية الدفاعية وتقديم الاستشارات والمعلومات .

ثانيا ، ساعدت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في انتشار المزيد من الخبراء التقنيين الأمريكيين وقدموا أكثر من 6750 جهاز اتصالات للطوارئ مثل هواتف الأقمار الصناعية لمقدمي الخدمات الأساسية والمسئولين الحكوميين ومشغلي البنية التحتية الحيوية ،واستفادت أوكرانيا أيضًا من مميزات النظم الوطنية للأمن السيبراني للدول الغربية.

ثالثا ، منذ أوائل عام 2021، ساعدت الشركات الأمريكية أوكرانيا من خلال المراقبة فقد أنفقت مايكروسوفت وحدها 239 مليون دولار على المساعدة المالية والتقنية. وفي ابريل 2022 عملت الشركة مع الحكومة الأوكرانية لمواجهة التهديدات  السيبرانية ،الى جانب مساعدة شركات أخرى مثل  Google وCisco ، والخبراء من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي .

رابعا ، صعود الجيوش الالكترونية "المتطوعة " حيث تعرضت روسيا لقصف إلكتروني منسق من قبل مجموعة من المتطوعين والأفراد، الذين عملوا إلى حد كبير بمبادرتهم الخاصة وغالبًا ما يوصفون بأنهم حراس. تضمنت المجموعات كتيبة الشبكة 65 التي تم تشكيلها حديثًا، وElves (التي تضم أكثر من 4000 متطوع في 13 دولة في وسط وشرق أوروبا)، وCyber ??Partisans (مجموعة مناهضة للحكومة منذ فترة طويلة في بيلاروسيا)،ومجموعة Anonymous .

رابعا : الاتجاهات المتصاعدة للحرب السيبرانية بين روسيا واوكرانيا

أولا ،التحول إلى تطبيقات الحرب النفسية بعد بدء الأعمال الحربية وبعد شن هجمات سيبرانية صلبة"، للتدمير والتخريب وإنكار الخدمة ، وعلت الحرب الإعلامية المتبادلة عبر المجال السيبراني ، والتي تفاعل فيها الروس والاوكران والمتعاطفين معهم ، وتصاعد دور نشر المعلومات المضللة والزائفة وتوظيفها سياسيا وعسكريا في الأعمال القتالية ، وبرزت معركة التأثير بالمعلومات لكسب القلوب والعقول.

ثانيا ، لم يتم رصد محاولة روسية مهمة للتعطيل البنية التحتية الوطنية الحيوية لأوكرانيا، الا في قيام وكالة الاستخبارات الروسية العسكرية في بداية الصراع  بشن هجمات إنكار ضد اتصالات الحكومة والقوات المسلحة والشرطة الأوكرانية . وتركزت الجهود الروسية فيما بعد في استخدام البنية التحتية الأوكرانية في جمع البيانات الشخصية لمساعدة في اختراق الجبهة الداخلية الأوكرانية. و نجاح أوكرانيا في تحيد الهجوم السيبراني الروسي  ضد منشآت الطاقة  في فبراير وابريل 2022 ،والتي استخدمت نفس التقنيات التي استخدمتها روسيا ضد أوكرانيا في عامي 2015 و2016،وحدث توافق ضمني روسي على بقاء البنية التحتية الوطنية الأوكرانية  نشطة للمساعدة في السيطرة والتحكم في عملية صنع القرار الاوكراني ، وشن تطبيقات الحرب النفسية المضادة وجمع المعلومات والتجسس

ثالثا ،ركز النشاط السيبراني الروسي على استراتجيات قصيرة الأجل ناتجة من عدم توقع اطالة امد الحرب ، ومن ثم جاءت العمليات السيبرانية  الروسية متقاربة من حيث الشدة مع تم القيام به ابان فترة الصراع بين عامي 2008 و2014  . و تشير التكتيكات الإلكترونية الروسية الى افنقاد الروس  إلى القدرات الإلكترونية اللازمة لتعطيل أنظمة الأسلحة والوحدات العسكرية الأوكرانية ، ومن ثم الاعتماد فقط على  القدرات العسكرية التقليدية - الأسلحة الصغيرة والدبابات والمدفعية والقنابل والصواريخ.

رابعا : تصاعد المخاوف حول انتقال البعد السيبراني للحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى حالة  تصعيد ما وراء الفضاء الإلكتروني ،و مواجهة بين روسيا وحلف الناتو  إذا نجحت روسيا في تنفيذ هجوم إلكتروني مدمر ضد البنية التحتية الغربية الحيوية أو استخدمت دولة عضو في الناتو عملية إلكترونية ترقى إلى مستوى استخدام القوة أو هجوم مسلح ضد الروس في أوكرانيا. حتى قبل الحرب، كانت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بالتأكيد قد أوضحت مخاوفهما بشأن الخطر السابق. شدد الرئيس الأمريكي جو بايدن على أن الاختراق الإلكتروني سيكون السبب الأكثر ترجيحًا لأن تجد الولايات المتحدة نفسها "في حرب إطلاق نار حقيقية" مع قوة عظمى. صرح الناتو بأنه سيحدد ما إذا كان الهجوم السيبراني ضد أي من الدول المتحالفة قد تجاوز عتبة المادة 5 للرد الجماعي على أساس كل حالة على حدة، وأنه يمكن اعتبار تراكم الهجمات الصغيرة بمثابة تجاوز لتلك العتبة. تعلق الأمر بكيفية تطبيق القانون الدولي على الفضاء السيبراني في كل من الحرب والسلام لاستخدام القوة السيبرانية. جعلت الحرب الروسية الأوكرانية تلك الجهود أكثر إلحاحًا.

خامسا ، تصاعد البعد المرن للحرب السيبرانية  بين روسيا وأوكرانيا لكسب القلوب والعقول. وزرع انعدام الثقة في مصادر المعلومات، وتحريف الأفعال الأوكرانية وإصدار روايات كاذبة حول أسباب السلوك الروسي. تراوحت الجهات الفاعلة ذات الصلة من مجموعات من الحراس الإلكترونيين ومنظمات وسائل الإعلام الإخبارية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي إلى وكالات الاستخبارات وغيرها من أجهزة الدولة، باستخدام جميع الوسائل المتاحة لهم بشكل جماعي الاتجاه تصاعد استخدام الفضاء السيباني في تطبيقات الحروب النفسية في مقابل راجع الهجمات المدمرة التي تستهخداف البنية اتحتية المعلوماتية

سادسا  :  تصاعد توظيف  الطائرات بدون طيار  في الاعمال القتالية بما يعكس تنامي عملية عسكرة الخوازميات والذكاء الاصطناعي ، وتحولها الى  أنظمة أسلحة ثانوية تُستخدم لـ "المضايقة وجمع المعلومات الاستخبارية والردع". وبدلاً من ذلك، فقد نمت إلى نظام سلاح رئيسي يمكن، عند تطبيقه بشكل صحيح، أن يغير قواعد اللعبة من تلقاء نفسه

سابعا ، اتساع نطاق الهجمات السيبرانية ليشمل الاقمار الصناعية ففي 24 فبراير 2022 ، قبل أقل من ساعة من غزو أوكرانيا شنت  روسيا  هجومًا معطلًا على شبكة Viasat الأوروبية، وهو نظام أقمار صناعية مملوك للولايات المتحدة ،و انقطاع الاتصالات في العديد من الهيئات والشركات العامة.وأثر على عشرات الآلاف من المستخدمين في جميع أنحاء أوروبا الوسطى .

ثامنا ، تأثير الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الناتجة عنها في صناعة الفضاء التجارية ،و إعادة رسم خطوط الصناعات المهمة ذات الصلة بالفضاء، مثل سوق الإطلاق الفضائي والسوق الدولية للفضاء الجوي ومواد التكنولوجيا. واحتمال تقلص حصة روسيا في سوق إطلاق الفضاء أكثر مما كانت عليه بالفعل على مدى السنوات العديدة الماضية،

تاسعا ، تصاعد توظيف الشبكات الاجتماعية في  الحرب النفسية بقدرتها على إجراء اتصال المباشر مع جماهير العدو. كما تساعد في تنفيذ حملات تضليل، ونشر المعلومات المضللة عبر أكبر شبكة وكلاء في أي مكان في العالم. ويتم في هذا النوع من الحروب استخدام تقنيات مختلفة، بهدف التأثير على نظام قيم الجمهور المستهدف، أو عواطفهم ودوافعهم واستدلالاتهم. كما أنها تستخدم لتدمير معنويات الأعداء من خلال التكتيكات التي تهدف إلى تثبيط الحالة النفسية للقوات المقابلة ، تحول الشبكات الاجتماعية إلى وسيلة  للتدخل الأجنبي، وإحداث  الفوضى الداخلية المعززة للحرب الأهلية.و تأجيج سلسلة الاحتجاجات والانتفاضات المناهضة للحكومة

عاشرا ، تصاعد توظيف الشركات التقنية الكبري في الصراع سواء بالحد من الخدمات او بالانسحاب او بتحويلها الى أداة للسياسة الخارجية الأمريكية و صعود استخدام الانترنت الفضائي في الصراع عبر خدمات شركة  ستار لينك لاوكرانيا في محاولة لتامين الاتصالات العسكرية للجيش الاوكراني وفي ظل تصاعد دور الأقمار الاصطناعية في مراقبة ورصد الأعمال العدائية بين طرفي الصراع وتوظيف المعلومات التي تقدمها استخباراتييا وعسكريا

اخيرا ،  صعود نمط العقوبات السيبرانية في التفاعلات الدولية خارج نطاق موافقة الأمم المتحدة وتصاعد دور الشركات التقنية الكبري في تطبيقها وتاثير ذلك في حيادية شبكة الانترنت وفي الاتجاه الى بقلنة الفضاء السيبراني . وتصاعد استخدام العملات المشفرة في تلافي العقوبات الدولية وفي جمع التبرعات لمساندة طرفي الصراع ، وعسكرة النظام المالي العالمي للتحويلات المالية "سويفت" وتاثير ذلك على تنامي الاهتمام بالنظم الدفع المالية الرقمية الوطنية في روسيا والصين .  و بروز أنماط جديدة للحرب السيبرانية مثل الصراع على الاستحواذ على  الرقائق الرقمية وتأثيرها على تدخل الإطراف الدولية في الصراع وفي البحث عن سبل جديدة لتوفير سلاسل الإمداد العالمي .

 


[1]ومع تصاعد الحجب المتبادل للمواقع والمنصات الرقمية حدث اقبال من قبل المستخدمين في دولتي الصراع على برامج تفادي الحجب  الحكومي

[2]كيف تساعد «ستارلينك» أوكرانيا في الفوز بحرب «الدرون»؟،جريدة الشرق الأوسط ، 19 مارس 2022 ،shorturl.at/ntzRU

[3]Four Russian Government Employees Charged in Two Historical Hacking Campaigns Targeting Critical Infrastructure Worldwide, Department of Justice, USA, Thursday, March 24, 2022.https://bit.ly/3lf8Utp

[4]عقوبات إضافية على شركات التكنولوجيا الروسية والجهات الفاعلة السيبرانية، بيان وزارة الخارجية الأمريكية، 31 مارس 2022

https://bit.ly/37TERoi

 


Share/Bookmark

اقرأ ايضآ

  • كيف منحت «تيك توك» اليمين الفرنسي المتطرف شعبية جديدة؟
  • عسكرة الذكاء الاصطناعى والاستقرار الدولى
  • رأس المال البشري في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي
  • تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل
  • هل تقف أميركا متفرجة على هيمنة الصين في سوق المسيرات الصغيرة؟
  • فيسبوك
    تعليقات


    عسكرة الذكاء الاصطناعى والاستقرار الدولى
    ساعدت تطبيقات الذكاء الاصطناعى العسكرية والأمنية فى تحول القوة وخصائصها والفاعلين فيها وانتشارها فى

    الذكاء الاصطناعي:الخصائص والتطور ومآلات الصعود
    بين القلق والتفاؤل .... تراوحت مشاعر الملايين عبر العالم إزاء غزو تطبيقات الذكاء الاصطناعي ، والتي

    التحول الرقمى ومتغيرات الشأن العام
    تولى القيادة السياسية اهتماما بالغا بعملية التحول الرقمى كجزء من الاستحواذ على القوة الجديدة والمكان

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    الى اي مدى انت راض على اداء المنصات الرقمية في الحرب على غزة ؟
    راضي
    غير راضي
    غير مهتم
     
        
    سيادة الدولة في العصر الرقمي للدكتور عادل عبد الصادق
    التاريخ