المقالات -
مسؤولية الشركات في عصر الذكاء الاصطناعي

: 179
السبت,19 اغسطس 2023 - 05:17 ص
ماريا إيـتل
الاقتصادية

خلال العام الماضي، تمت مناقشة الذكاء الاصطناعي بشكل واسع واندلعت جدالات حوله. وبحسب الجانب الذي يتم استماعه، يمكن أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إدخالنا إلى عالم جديد مليء بالفرص اللامحدودة، أو إلى واقع مختلف ومظلم. ويمكن تسمية الحالة الأولى بـ"سيناريو باربي" والثانية بـ"سيناريو أوبنهايمر"، كما في الأفلام الهوليوودية الناجحة.

	 مسؤولية الشركات في عصر الذكاء الاصطناعي
اضغط للتكبير

ومع ذلك، تلقى جانب مهم من المناقشات أقل اهتمامًا مما يجب، وهو المناقشة التي تدور حول مسؤولية الشركات. عندما انضممت إلى شركة نايكي عام 1998 كأول نائبة رئيس لشؤون المسؤولية الشركاتية، كانت الشركة تعاني من أكبر أزمة في تاريخ العولمة المفرطة، حيث وجدت نفسها متهمة بالاستغلال في الدول النامية. ومن خلال التعامل مع تلك الأزمة وتحديد المسؤولية الشركاتية التي يجب أن تتحملها "نايكي"، تعلمنا دروسًا صعبة يمكن تطبيقها الآن في التعامل مع ثورة الذكاء الاصطناعي.

 

اليوم، ينطوي الأمر على فارق رئيس. تطورت أحداث أزمة شركة نايكي التي وقعت في أواخر تسعينيات القرن الـ20 ببطء. ولكن عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، فإننا لا نملك ترف الوقت. في مثل هذا الوقت من العام المنصرم، لم يكن معظم الناس سمعوا عن الذكاء الاصطناعي التوليدي. دخلت هذه التكنولوجيا وعينا الجماعي كضربة صاعقة في أواخر 2022، وكنا نحاول فهمها منذ ذلك الحين.

في ظل الظروف الحالية، لا تتقيد شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي بحواجز حماية مفروضة عليها من الخارج. وهذا يجعلنا جميعا فئران تجارب. ولا شيء طبيعي في هذا. إذا قدمت شركة بوينج أو إيرباص طائرة وعدت بأن تكون أرخص وأسرع لكنها من المحتمل أن تكون بالغة الخطورة، فإننا لن نقبل المجازفة. وشركة الأدوية التي تطلق منتجا لم يخضع للاختبارات اللازمة، في حين حذرت من أنه قد يكون ساما، فإنها تعـد مسؤولة جنائيا عما تحدثه من مرض أو وفاة. لماذا إذن من المقبول أن تطرح شركات التكنولوجيا في السوق منتجات تحذر هي ذاتها من أنها تحمل لنا خطر الانقراض؟

حتى قبل ظهور الذكاء الاصطناعي في المشهد، كانت شركات التكنولوجيا الكبرى و"اقتصاد الاهتمام" يواجهان انتقادات متزايدة بسبب تأثيراتهما الضارة. الواقع أن منتجات مثل Snapchat، وInstagram، وTikTok مصممة لتحفيز دفقات من الدوبامين في الدماغ، وهذا يجعلها تحدث الإدمان مثل السجائر. وقد نشأ إجماع علمي على أن الوسائط الرقمية تضر بصحة المستخدمين ـ خاصة الأطفال ـ العقلية.

لقد زاد الذكاء الاصطناعي من قوة "اقتصاد الاهتمام" وأطلق العنان لمجموعة جديدة من المخاطر، التي يستحيل علينا أن نتبين نطاقها بوضوح. على الرغم من الدعوات المتزايدة الصخب المطالبة بالتنظيم، عندما تأتي من جانب الأشخاص أنفسهم الذين يقفون وراء هذه التكنولوجيا، فإنها لا تعدو كونها حملات علاقات عامة وتكتيكات مماطلة من جانب الشركات إلى حد كبير. في النهاية، لا يفهم القائمون على التنظيم والحكومات بشكل كامل كيف تعمل المنتجات القائمة على الذكاء الاصطناعي أو الأخطارالتي توجدها، الشركات فقط هي التي تفهم ذلك.

يجب أن تتحمل الشركات مسؤولية ضمان عدم التسبب عن قصد في إحداث الضرر، وإصلاح أي مشكلة توجدها. إنها وظيفة الحكومة أن تحاسب الشركات. لكن المساءلة تأتي بعد حدوث المشكلة ـ وهي استجابة متأخرة كثيرا عندما يتعلق الأمر بتكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي.

لو تصرفت أسرة ساكلر، مالكة شركة Purdue Pharma، بمسؤولية بمجرد أن أدركت الخطر الذي يفرضه أوكسيكودون "دواء من إنتاجها"، واتخذت الخطوات اللازمة لمنع الإفراط في وصفه طبيا، لكان من الممكن تجنب أزمة المواد الأفيونية التي اجتاحت الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة.

بحلول الوقت الذي تدخلت فيه الحكومة، كان عدد لا يحصى من الأرواح قد فقد، وتخربت مجتمعات كاملة، ولن تعوض عن هذه الخسائر أي دعوى قضائية أو غرامة.

عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، تستطيع الشركات، بل يتعين عليها أن تكون أفضل أداء، لكنها يجب أن تتحرك بسرعة، قبل أن تترسخ الأدوات التي يحركها الذكاء الاصطناعي في الأنشطة اليومية إلى الحد الذي تصبح معه أخطارها طبيعية، ويتعذر احتواء كل ما تطلق له العنان من احتمالات.

في شركة نايكي، كان مزيج من الضغط الخارجي والالتزام الداخلي بفعل الصواب هو الذي أدى إلى إصلاح جوهري لنموذج أعمالها.

من الواضح أن صناعة الذكاء الاصطناعي الوليدة تستشعر ضغوطا خارجية: في الـ21 من يوليو، حصل البيت الأبيض على التزامات طوعية من سبع شركات تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي لتطوير منتجات آمنة وجديرة بالثقة، بما يتماشى مع مخطط ميثاق حقوق الذكاء الاصطناعي المقدم العام الماضي، لكن المبادئ التوجيهية الطوعية الغامضة تترك حيزا كبيرا للمناورة.

الآن يتوقف مستقبلنا الجماعي على ما إذا كانت الشركات -داخل غرف مجالس إداراتها وفي اجتماعاتها التنفيذية، وجلساتها الاستراتيجية المغلقة، حيث تتمتع بالخصوصية الكاملة- لتقرر فعل الصواب.

تحتاج الشركات إلى معلم ثابت واضح تهتدي به وترجع إليه دائما في أثناء سعيها وراء الإبداع. أدركت شركة جوجل هذه الحقيقة على النحو الصحيح في أيامها المبكرة، عندما كانت عقيدة الشركة "لا تكن شريرا"، لا يجوز لأي شركة أن تلحق الضرر بالناس عمدا في سعيها وراء الربح.

لن يكون كافيا أن تقول الشركات ببساطة: إنها استعانت بمنظمين سابقين وتقترح حلولا ممكنة، بل يتعين على الشركات أن تعكف على ابتكار خطط عمل حاسمة وجديرة بالثقة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، تجيب عن خمسة أسئلة رئيسة:

* ما العواقب غير المتوقعة التي قد تترتب على الذكاء الاصطناعي؟

* كيف نخفف من حدة كل خطر معروف؟

* ما التدابير التي تستطيع الهيئات التنظيمية استخدامها لمراقبة الجهود التي تبذلها الشركات للتخفيف من الأخطار المحتملة ومحاسبة هذه الشركات؟

* ما الموارد التي تحتاج إليها الهيئات التنظيمية لتنفيذ هذه المهمة؟

* كيف نعرف ما إذا كانت حواجز الحماية تقوم بعملها حقا؟

يجب أن يكون التعامل مع تحدي الذكاء الاصطناعي مماثلا للتعامل مع أي انطلاقة سريعة أخرى للشركات.

من المعقول والواقعي أن تكون الشركات مطالبة بالالتزام بخطة عمل مدتها 90 يوما، ولا مكان للأعذار.

يجب أن يؤدي عدم الالتزام بالمواعيد النهائية إلى غرامات مؤلمة. ليس من الضروري أن تكون الخطة مثالية ـ وستحتاج في الأرجح إلى التعديل والتكييف مع استمرارنا في التعلم، لكن الالتزام بها ضرورة أساسية.

يجب أن تلتزم شركات التكنولوجيا الكبرى بحماية البشر بقدر التزامها بتعظيم أرباحها. أما إذا كان خط النهاية الوحيد هو الأرباح، فسوف ننزلق جميعا إلى ورطة قاسية.


Share/Bookmark

اقرأ ايضآ

  • «فيسبوك»... خداع لإعادة الهاربين منه إليه
  • الذكاء الاصطناعي: للاستدامة أم للتدمير؟
  • هل هذه لحظة «سبوتنيك» جديدة؟
  • غزة وتوجهات جيل زد نحو تغيير السياسة العالمية
  • الذكاء الاصطناعي وغباء البشر
  • فيسبوك
    تعليقات


    مشاركة المركز في اصدار رؤي الجنوب حول اصلاح الحوكمة العالمية
    شارك الدكتور عادل عبد الصادق مدير المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروني في تقرير حول رؤي الجنوب ال

    غزة وتوجهات جيل زد نحو تغيير السياسة العالمية
    كشفت الحرب الإسرائيلية على غزة عن طبيعة الفاعلين الجدد فى الرأى العام العالمى فى ظل البيئة الرقمية،

    نداء أكرا: المرونة السيبرانية من أجل التنمية
    فى أواخر نوفمبر الماضى عقد الملتقى الدولى حول بناء القدرات السيبرانية فى العاصمة الغانية أكرا تحت رع

    موضوعات جديدة
    الأكثر قراءة
    الأكثر تعليقا
    الى اي مدى انت راض على اداء المنصات الرقمية في الحرب على غزة ؟
    راضي
    غير راضي
    غير مهتم
     
        
    سيادة الدولة في العصر الرقمي للدكتور عادل عبد الصادق
    التاريخ