Breaking
ADVERTISEMENT
الأخبار

ماذا تعلم عن برنامج التحقق من الهوية الذي يتحكم بمعاملات الأمريكيين؟

إذا كنت تؤلف رواية تشويقية عن عالم التكنولوجيا، فستمنح الشخصية الرئيسية فيها على الأرجح خلفية مشابهة لخلفية بليك هول. فهو يحمل شهادة ماجستير في إدارة الأعمال من "جامعة هارفرد"، وتخرج من برنامج الشركاء الصيفي شديد التنافسية في شركة "ماكنزي أند كو"، وينحدر من عائلة تفتخر بتاريخها العسكري. فالرجل جندي تم تقليده بأوسمة تقديرية، وهو نجل قائد لواء في الجيش الأمريكي، أمّا جدّه فقد قاتل النازيين خلال الحرب العالمية الثانية. أما الآن، فهو المؤسس الشريك لشركة في مجال الأمن السيبراني، وهو معروف باستخدام مصطلحات مستوحاة من أرض المعركة أثناء حديثه، ووسيلته للتعويض عن أي خطئ يرتكبه هي التعهد بأداء تمارين الضغط كوسيلة لمعاقبة الذات. قال هول في مقابلة خلال أكتوبر: "أشعر بواجب أخلاقي لأنني لا زلت أحمل داخلي الحمض النووي الخاص بجندي".

ماذا تعلم عن برنامج التحقق من الهوية الذي يتحكم بمعاملات الأمريكيين؟
Click to enlarge
ADVERTISEMENT

كشف الاحتيال

لذلك في شهر يونيو الماضي، حين أعلن هول أن شركته "أي دي. مي" (ID.me) الناشطة في مجال توثيق الهوية عبر الانترنت المزدهر حالياً، نجحت بالكشف عن أحد أكبر عمليات الاحتيال في تاريخ الولايات المتحدة، والمتمثلة بسرقة 400 مليار دولار من إعانات البطالة في ظلّ الوباء من قبل عصابات الجرائم الإلكترونية، أتى تصريحه مدعوماً بقدر من الثقة.

الاحتيال الإلكتروني يُكبّد البريطانيين 754 مليون جنيه إسترليني في 6 أشهر

فبعد مضي دقائق فقط من نشر موقع "أكسيوس" (Axios) للمقابلة مع هول، انتشر رقم ـ400 مليار دولار كالنار في الهشيم، وألهم الرقم قصصاً إخبارية مختلفة، تحدثت عن شبكة انترنت مظلمة مروّعة تنشط فيها عصابات من نيجيريا تسعى لشنّ عمليات احتيال ضخمة ضد حكومة الولايات المتحدة. كما استندت للبحوث المقدمة من الأحزاب اليمينية واليسارية على حد سواء، والتي استخدمت أقوال هول في إطار عملها على إعداد صيغ جديدة لتقديم الإعانات الحكومية.

ADVERTISEMENT

من جهة أخرى، سبب الرقم توتراً للمسؤولين في وزارة العمل الأمريكية وغيرها من الوكالات الحكومة الغارقة تحت وطأة أعداد غير مسبوقة من طلبات إعانة البطالة، فيما استغل الجمهوريون هذا الرقم، للإشارة إلى التبذير الشائن الذي تمارسه الحكومة الحالية.

قال كيفن برايدي، العضو الجمهوري الأعلى في لجنة "الطرق والوسائل" في مجلس النواب الأمريكي إن "السرقة الأكبر لدولارات دافعي الضرائب الأمريكيين ارتفعت بلا هوادة لتبلغ 400 مليار دولار، حيث تم فقدان أكثر من نصف الأموال التي أنفقت على إعانات البطالة في ظلّ الوباء بسبب الاحتيال والمجرمين".

كان الرقم هائلاً لدرجة لا يتخيلها عقل، أكبر حتى من الميزانية السنوية لقوات الجيش والبحرية الأمريكية معاً، وأكبر بخمسة أضعاف من الضرائب التي تجمعها الحكومة الفدرالية سنوياً من أجل تمويل نظام إعانات البطالة.

ادعاءات موثوقة أم استراتيجية ترويجية

لكن هذا الرقم بات يبدو اليوم مضخماً جداً مع مرور الوقت ودراسة البيانات وإجراء بعض التحقيقات. حيث يزعم هول أن نصف الأموال التي دفعتها الحكومة، أي أكثر من 800 مليار دولار حتى ذلك الوقت، سُرقت من قبل مزورين، إلا أن الحسابات التي أجرتها الولايات تتعارض مع ذلك.

ففي ديسمبر، أعلنت ولاية كاليفورنيا، والتي تعدّ الولاية الأكبر من حيث دفع إعانات البطالة، أنها اكتشفت احتيالات في الإعانات بقيمة 20 مليار دولار خلال فترة الوباء، أي بواقع 11% من إجمالي المبلغ الذي أنفقته. تجدر الإشارة إلى أن كاليفورنيا كانت مسؤولة عن ربع إعانات البطالة خلال فترة الوباء في الولايات المتحدة.

وفي حال قدمت نسبة الاحتيال التي حصلت فيها لمحة عما جرى على المستوى الوطني خلال العامين الماضيين، فيعني ذلك أن المبلغ الإجمالي هو نحو 95 مليار دولار. وهو لا شكّ مبلغ كبير، لكنه مع ذلك يوازي فقط ربع المبلغ الذي قدّره هول. حتى أن بعض الولايات الأخرى مثل أوهايو وتكساس أفادت أن معدل الاحتيال في طلبات الإعانات كان أقل من ذلك المسجل في كاليفورنيا.

إلا أن رقم 400 مليار دولار الذي أعلن عنه هول مهّد الطريق لحصول أمرين، أولهما أنه غذّى المخاوف من الأنشطة الإجرامية- الذي كان بعضها مبرراً- وهو ما دفع الولايات إلى فرض وسائل تحقق جديدة والتشكيك في العديد من طلبات الإعانة التي تبيَّن في الكثير من الأحيان أنها كانت بريئة من أي تهم، ولكن مع ذلك قاد الأمر إلى تجميد الإعانات المقدمة لعدد كبير من الأشخاص الذين كانوا في أمس الحاجة إليها، وذلك لمدة أسابيع وحتى أشهر أحياناً وذلك في ظلّ معايشتهم لأزمة تاريخية.

أما الأمر الثاني، فهو أن الرقم ساعد في نمو "أي دي. مي" من شركة مغمورة عمرها نحو عقد من الزمن وتملك بعض العقود القليلة المتخصصة مع الحكومة، إلى شركة رائدة ضخمة تقدّر قيمتها حالياً بـ 1.5 مليار دولار، وتطمح لتصبح حارسة البوابة الرقمية لأمريكا.

بليك هول، المؤسس لشركة قبل 12 عاماً، أصبحت لاحقاً تسمى "أي دي. مي"

بليك هول، المؤسس لشركة قبل 12 عاماً، أصبحت لاحقاً تسمى "أي دي. مي"

المصدر: بلومبرغ

ماذا يرد هول؟

يصرّ هول حتى هذا اليوم على دقة تحديد رقم 400 مليار دولار. مؤكداً أنه استند إلى أنماط البيانات التي جمعتها الشركة خلال عملها لصالح وزارات العمل في ولايات كاليفورنيا وفلوريدا ونيويورك وبنسلفانيا وتكساس، بالإضافة إلى 22 ولاية أخرى. إذ يرى هول أن الوكالات الحكومية التي تتحدث عن معدلات احتيال أقل بكثير من ذلك، هي التي على خطأ. وقال في رسالة إلكترونية إلى "بلومبرغ ببزنيسويك" في شهر أكتوبر الماضي: "البيانات في حوزتنا واضحة جداً، هذا الهجوم السيبراني الأضخم على صعيد عمليات الاحتيال في تاريخ الولايات المتحدة".

وجاءت الرسالة في إطار سلسلة من الرسائل التي وجهها هول ومتحدثون باسم "أي دي.مي" خلال عدّة أسابيع قدموا فيها أدلة ظرفية تدعم الحسابات التي أجرتها الشركة. وقال هول:

 

نحن تماماً كقائد فصيلة استطلاعية في ميدان معركة، يفرض علينا واجبنا أن نبلِّغ بصدق عمَّا نراه. وفي حال جاءت ردّة فعل الناس سلبية تجاه الحقيقة، فهذه مشكلتهم

مجال مزدهر

بالنسبة لهول، يحب أن يكون هذا الرقم دقيقاً لأن طموحات شركته تعتمد على ذلك. فهو يريد أن تسيطر "أي دي. مي" على ما يُطلق عليه تسمية "طبقة تحديد الهوية على الإنترنت"، ما يجعل الشركة أشبه بحارس رقمي، على الرغم من أن البرنامج الإلكتروني لهذا الحارس قد لا يعمل دائماً بالشكل المناسب. يقول هول: "هدفنا هو أن نكون موجودين في أي مكان ترغب بأن تتواجد أنت به في المستقبل".

شركات التكنولوجيا الأمريكية تحذِّر من تهديد مشاريع قوانين الاحتكار للأمن القومي

وبالنسبة لمعظم الأشخاص، إنشاء حساب على "أي دي. مي" عملية سهلة جداً، فالشركة تدمج البيانات في الهاتف الذي تستخدمه والصور الشخصية التي تطلب منك إرسالها مع نسخ عن المستندات الحكومية للتأكد من أنك فعلاً الشخص الذي تدّعيه. وما أن تفعل ذلك، ستتمكن بحسب هول من القيام بكلّ ما تريده على الانترنت من الإجراءات المصرفية إلى الدخول إلى سجلاتك الصحية، حتى حجز غرفة فندقية بدون أن يُطلب منك باستمرار أن تقدم معلوماتك وتدخل كلمات المرور المختلفة. ومن المتوقع أن يستخدم ملايين الأمريكيين هذه العملية في موسم التصريح الضريبي الحالي. وفي نهاية المطاف، قد يمتلك كلّ مواطن أمريكي جواز سفر رقمي من "أي دي. مي".

تدفق الاستثمارات

جذبت رؤية هول هذه استثمارات بقيمة 275.5 مليون دولار من شركات من طراز "ألفابيت" و"مورغان ستانلي" ووزيرة التجارة الأمريكية السابقة بيني بريتزكر.

وحازت الشركة على ثقة 27 ولاية استعانت بخدمات "أي دي. مي" خلال الوباء، وأيضاً بثقة وزارة العمل التي أرست عليها خلال العام الماضي عقداً بقيمة مليار دولار من أجل تحديث أنظمة الكمبيوتر الحكومية. كذلك، استعانت مصلحة الضرائب بـ"أي دي. مي" من أجل مساعدة الأشخاص على التسجيل للحصول على مبالغ الإعفاءات الضريبية الشهرية للأطفال، والتي دخلت حيز التنفيذ في يوليو الماضي.

مع ذلك، يثير إحكام الشركة قبضتها على الصعيد المحلي في الولايات المتحدة سيلاً من الأسئلة، مثل: هل من الصحيح أن نوكل شركة خاصة بمسؤولية تقع عادة على عاتق الحكومات، من بينها التأكد من هوية مواطنيها؟ فتماماً مثلما لا نرغب على الأرجح في أن تتحكم "أمازون" أو "فيسبوك" بإمكانية دخولنا إلى السجلات الضريبية أو أي نظام إعانة حكومي حين تسوء الأمور، من غير الواضح بعد ما إذا كنا نريد فعلاً أن تتواجد "أي دي.مي" في كل مكان نرغب بأن نتواجد به.

تأسيس الشركة

انطلقت "أي دي. مي" قبل 12 عاماً تحت اسم آخر هو شركة "تروب سواب" (TroopSwap) وهي كانت أشبه بتقليد لموقع "كريغزليست" مخصص لمجتمع العسكريين. لاحقاً، حوّل هول وشريكه مات طومبسون، وهو أيضاً جندي سابق أصبح طالب ماجستير في إدارة الأعمال، الشركة إلى ما يشبه مواقع خدمات الحسومات مثل "غروبون".

ليست "أمازون" وحدها.. مكافحة الاحتكار في أمريكا تحتاج لإعادة إحياء

لكن الرجلان أدركا لاحقاً أن ثروة "تروب سواب" الحقيقية تكمن في برنامجها الالكتروني الذي مكّن المحاربين القدامى من إثبات أهليتهم لاستخدام الموقع بدون الاضطرار لتقديم وثائق تحمل أرقام الضمان الاجتماعي وغيرها من المعلومات الشخصية الحساسة.

قال هول إنه في أغلب الأحيان كان على الجنود السابقين أن يقدموا هذه المستندات من أجل الحصول على الرهونات العقارية المدعومة من وزارة شؤون قدامى المحاربين وإعانات الرعاية الصحية، وحتى للحصول على طبق مقبلات البصل في مطعم "أوتباك" للحوم خلال عيد المحاربين القدامى. وأضاف: "لا يبدو منطقياً أن تعطي رقم الضمان الاجتماعي الخاص بك لشخص غريب من أجل الحصول على طبق بصل مقلي مجاني".

في عام 2012، رأى هول وطومبسون أن الفرصة سانحة أمامهما، على الرغم أنهما لا يتمتعان بأي خلفية تكنولوجية. حيث أعلنت حينها إدارة الرئيس باراك أوباما عن الاستراتيجية الوطنية للهويات الموثقة في الفضاء الإلكتروني، والتي تهدف لتشجيع الشركات الخاصة على تطوير تقنيات للتحقق من الهويات. وقد اشترى فريق "تروب سواب" ملكية اسم "أي دي. مي"، وغير اسم الشركة، ثمّ فاز بمنحة بقيمة 2.6 مليون دولار من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا التابع لوزارة التجارة.

التوغّل الحكومي

بحلول عام 2016، استخدم هول ذلك الدعم من أجل الحصول على عقود حكومية، بينها عقد للتحقق من الهويات لصالح وزارة شؤون قدامى المحاربين.

يقول طومبسون إن هول كان يدفع أيضاً باتجاه تبني استراتيجية تسويق بالعمولة، من خلال تقديم إعلانات وصفقات للأشخاص الذين وثَّقوا هوياتهم عبر "أي دي. مي"، وكان هذا السبب الرئيسي الذي دفع طومبسون في النهاية إلى ترك الشركة في عام 2015.

قال طومبسون الذي أصبح مديراً تنفيذاً متخصصاً في القطاع العام لدى شركة "سوكور" (Socure) وهي شركة منافسة تنشط هي الأخرى في مجال توثيق الهويات وكشف التزوير: "لا يجب أن يتم استهدافك من أجل التسويق لمجرد أنني بت أعرف الآن أنك عسكرياً، وبالتالي أصبح بإمكاني تسويق صفقات ذات طابع عسكري لك". (يرفض هول تبريرات طومبسون لمغادرته الشركة. ويقول إن لدى مستخدمي "أي دي. مي" الحق في اختيار ما إذا كانوا سيشاركون في أي حملات تسويقية أم لا، وهو مجال يشكل 10% من إيرادات الشركة، ولا يحق لأي طرف ثالث الاطلاع على بيانات المستخدم).

دفعة الوباء

كانت الفرصة الأكبر أمام "أي دي .مي" خلال عام 2020، حين تسبب الوباء بموجة من البطالة واضطرت المكاتب الحكومية المعنية بشؤون إعانات البطالة، للعمل عن بعد بشكل كامل.

وفيما انكبت الولايات على تحديث عملياتها الالكترونية من أجل توزيع إعانات البطالة المتراكمة، وجدت نفسها محاصرة بعمليات الاحتيال. وفي شهر يونيو من ذلك العام، أبرمت الشركة اتفاقيتها الأولى مع هيئة حكومية، حيث تم تكليفها بتوثيق الهويات لصالح مكتب التوظيف في فلوريدا، ما دفع الشركة إلى ضمّ عدد كبير من الموظفين لتلبية الطلب. فافتتحت الشركة ومقرّها في ضواحي واشنطن في فيرجينيا، أول مكتب فرعي لها في تامبا، بلغ عدد العاملين فيه 500 موظف. وخلال الأشهر الـ13 التالية، أبرمت "أي دي. مي" عقوداً مع 26 ولاية أخرى.

هل ينجح البرنامج في مهمته؟

وفي الحالة الطبيعية، تكون باستطاعة المستخدمين أن ينشؤوا ملفاً شخصياً على البرنامج الالكتروني خلال دقائق، ويمكّنهم ذلك لاحقاً من تقديم طلبات الحصول على إعانات البطالة أو إنشاء ملف الكتروني لدى مصلحة الضرائب. لكن حين يتعطل هذا البرنامج، فإن الأمر يصبح مأساوياً. حيث تطلب منك الخوارزميات أن تثبت هويتك، ولكن قد يتعذر عليك ذلك لأن البرنامج لا يرى أنك تشبه الصورة التي التقطت لك قبل زمن بعيد لدى إدارة تسجيل المركبات، أو لا يفهم لماذا غيرت عنوان سكنك منذ ذلك الحين أو لماذا تستخدم جهاز "أيفون" ابنتك مثلاً. وهذه المشاكل تعني أنه قد يتم تجميد إعانات البطالة المخصصة لك، أو تعليق حصولك على معلوماتك الضريبية أو حتى قدرتك على الاطلاع على سجلاتك الصحية إذا كنت من المحاربين القدامى.

رايت وورمينغتون، أحد مستخدمي برنامج "أي دي. مي" لتوثيق الهوية

رايت وورمينغتون، أحد مستخدمي برنامج "أي دي. مي" لتوثيق الهوية

المصدر: بلومبرغ

 
 

 

Print Article Send to Friend Add Comment
ADVERTISEMENT

Reader Comments

Share Your Opinion